الخميس، 8 مايو 2014

الإعراض عن مجالس اللغو


قال المؤلف رحمه الله: الأمر الحادي عشر: الإعراضُ عن مَجَالِسِ اللَّغْوِ :
لا تَطَأْ بِساطَ مَن يَغْشُونَ في نادِيهم الْمُنْكَرَ ، ويَهْتِكُون أستارَ الأَدَبِ مُتَغَابِيًا عن ذلك ، فإنْ فعَلْتَ ذلك فإنَّ جِنايَتَكَ على العِلْمِ وأَهْلِه عظيمةٌ .
الشيخ:
أما قوله: (الإعراض عن مجالس اللغو) فاللغو نوعان: لغو ليس فيه فائدة ولا مضرة، ولغو فيه مضرة .أما الأول فلا ينبغي للعاقل أن يُذهب وقته فيه لأنه خسارة وأما الثاني فإنه يحرم عليه أن يمضي وقته فيه لأنه منكر محرم والمؤلف كأنه حمل الترجمة على المعنى الثاني الذي هو اللغو المحرم ولا شك أن المجالس التي تشتمل على المحرم لا يجوز للإنسان أن يجلس فيها لأن الله تعالى يقول: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } فمن جلس مجلسا منكر وجب عليه أن ينهى عن هذا المنكر فإن استقامت الحال فهذا المطلوب وإن لم تستقم وأصروا على منكرهم فالواجب أن ينصرف خلافا لما يتوهمه بعض العامة يقول: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( فإن لم يستطع فبقلبه )) وأنا كاره لهذا المنكر في قلبي وهو جالس مع أهله فيقال له: لو كنت كارها له حقًا ما جلست معهم لأن الإنسان لا يمكن أن يجلس على مكروه إلا إذا كان مكرها، أما شيء تكرهه وتجلس باختيارك فإن دعواك كراهته ليست بصحيحة، وقوله: (فإن فعلت ذلك فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة) أما كونه جنايته على نفسه فالأمر ظاهر، يعني لو رأينا طالب علم يجلس مجالس اللهو واللغو والمنكر فجنايته على نفسه واضحة وعظيمة، لكن كيف تكون جناية على العلم وأهله ؟ لأن الناس يقولون: هؤلاء طلبة العلم، هؤلاء العلماء، هذا نتيجة العلم، وما أشبه ذلك فيكون قد جنى على نفسه وعلى غيره.
*************************
* شرح الشيخ سعد بن ناصر الشثري (مفرغ):
 الشيخ :
إذن هذا هو الأدب الحادي عشر الإعراض عن مجالس اللغو ، والمراد باللغو ما يشين الإنسان من أنواع الكلام ، قال تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) ، و بعض أهل العلم يقول : إنّ المراد باللغو مالا فائدة له من الكلام ، وكلاهما قد يكون مرادا هنا فطالب العلم يحفظ وقته؛ ومن حفظه لوقته أن يعرض عن مجالس اللغو ليستعمل وقته في طاعة الله جل وعلا .
قال المؤلف : (لا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر) المراد بالمنكر المعصية فإنه لا يجوز للإنسان أن يجلس في مجلس يعصى الله فيه وهو قادر على ترك ذلك المجلس ، قال تعالى : (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) ، وقال جل وعلا : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) ، وجاء في سنن أبي داود : (أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجلس المؤمن على مائدة يدار فيها الخمر) ، وهكذا بقية أنواع المعاصي ، قال المؤلف : (متغابياً عن ذلك) يعني : لا تجلس في ذلك المجلس الذي فيه معصية وفيه هتك لستر الأدب (متغافلا عنه) غير ملتفت إليه ، فإن فعلت ذلك فجلست في هذه المجالس فإنّ جنايتك على العلم وأهله عظيمة ، لأنّ الناس يزدرون يهتكون أستار الأدب مع أهل العلم ولا يقيمون لهم وزنا ، ويكون ذلك سببا من أسباب انتشار المعاصي والمنكرات لأنهم إذا رَأَوْا طلبة العلم يجلسون في مجالس المعصية ولا ينكرونها فعل أهل المعاصي تلك المعاصي في الظاهر ولم يختفوا بها ، و من قواعد الشريعة الترغيب في عدم إظهار المنكرات وقد جاء في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون).

دين الإسلام دين المثل الرفيعة، والأخلاق السامية، والآداب العظيمة؛ إنه الدين الذي يربي أتباعه على أكمل الأخلاق، وأحسن الآداب، ويحرص على الرقي بالمسلم إلى آفاق الجمال والكمال.

ولقد قامت شعائر الإسلام وعباداته ومعاملاته على شوامخ الآداب والأخلاق، وهي جميعاً تسمو بالإنسان إلى سماء النقاء والصفاء؛ تُزكي وجدانه، وتنير عقله، وتهذب مشاعره، وترهف أحاسيسه.


وإن المتأمل في مواسم العبادات العظيمة في الإسلام يجد أن من أهم أهدافها، ومن أسمى حكمها، تدريب المسلم على حسن الخلق، وجميل الطباع، وروائع المثل.


فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، والزكاة تطهر النفس، وتقتل الأنانية، وتعلم المودة والمحبة والتراحم؛ والصوم فيه صيام الجوارح عن اللغو والزور والكذب والباطل؛ وكذلك الحج، قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة:197]، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "مَن حَجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" أخرجه البخاري ومسلم؛ إذ الحج مدرسة في الخلق، وملحمة للأدب، وميدان للتهذيب.


وحديثنا اليوم عن خلق نهى عنه الإسلام، وحذر منه الدين؛ حرصاً على همة النفس، ورفعة الفكر، ورونق الروح، ووضاءة المثل؛ إنه خُلُقٌ قل أن يسلم منه إنسان، أو يخلو منه مجتمع؛ ذلك هو اللغو.


وإن المسلم الحق يجاهد نفسه، ويبذل جهده للترقي لكل محمدة، والبعد عن كل منقصة؛ ولقد أصبح اللغو سمة لكثير من الناس في مجالسهم ومنتدياتهم، ولقاءاتهم ومسامراتهم، وأحاديثهم ومقالاتهم؛ بل حتى سرى إلى بعض الخطباء والدعاة والناصحين بالخوض فيما لا يعنيهم، أو الحديث عما لا يفيد، أو تضييع الأوقات فيما لا يغني، واللغو هو الكلام الذي لا فائدة منه، ولا جدوى له.


ولنبدأ رحلتنا التحذيرية من اللغو مع كتاب الله تعالى:


1/ الإعراض عن اللغو من صفات عباد الرحمن: بيَّن لنا الله تعالى أن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يتلبسون باللغو، ولا يشاركون فيه، فيقول تعالى:(وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان:72].ومعنى قوله: مَرُّوا كِرَامًا، يمرون وهم في حال الكرامة، والبعد عن المشاركة مع أرباب اللغو في لغوهم.


فإن السفهاء إذا مروا بأصحاب اللغو أنِسوا بهم، وقعدوا معهم، وشاركوا في لغوهم؛ أما أهل الكرامة فإذا مروا على أصحاب اللغو تنزهوا بأنفسهم، وترقوا بأخلاقهم عن مشاركتهم؛ والكرامة هي النزاهة ومحاسن الخلال؛ وأصلها نفاسة الشيء في نوعه.


وقال تعالى في وصفه للمؤمنين: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص:55].


2/ من تمام نعيم أهل الجنة أن الله نفى عن أهلها سماع اللغو، قال تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّاَ) [مريم:62]، وقال تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة:25-26]، وقال تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا) [النبأ:35]، وقال تعالى: (لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً) [الغاشية:11].


يا له من نعيم مقيم! إن المؤمنين الجادين، والمسلمين الصادقين؛ تجد أن مما يؤذيهم في الدنيا سماع اللغو، ومجالس اللهو، وإهدار الوقت، وتلطيخ أجواء اللقاءات والمنتديات بكلام تافه، أو لغو بارد، أو لهو مضل، أو زور مقيت؛ لأن الأرواح زكية، والمشاعر نقية، والهمم عالية، ومن كان كذلك فلا أشد عليه مضاضة وهماً وغماً من مجالس اللغو، ومراتع الضياع، فكان جزاء هذا السمو الفوز بجنان عالية، لا يسمعون فيها لاغية.


قال ابن كثير -رحمه الله-: هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له كما يوجد في الدنيا. وقال طاهر بن عاشور: واللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته، وإنفاؤه كناية عن انتفاء أقل المكدرات في الجنة، وكناية عن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في الدنيا من أذى المشركين ولغوهم. وقال عن قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا) [الواقعة:25]: أكمل وصف النعيم بذلك، وهي نعمة روحية؛ فإن سلامة النفس من سماع ما لا يُحَب سماعه، ومن سماع ما يُكره سماعه من الأذى نعمة براحة البال، وشغل بسماع المحبوب.


ومن تمام نعيم أهل الجنة أن أهلها يشربون فيها خمراً لا لغْوٌ فيها ولا تأثيم، قال تعالى: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) [الطور:23]، أي أنها لا تذهب بعقولهم فتحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة، والمتضمن هذياناً وفحشاً كما تفعل خمر الدنيا بعقول شاربيها.


وقد حدثنا القرآن عن صفة من صفات الكفار والمشركين وأعداء الدين، وهي أنهم إذا سمعوا القرآن يبتكرون أنواعاً من اللغو ليصرفوا الناس عنه، ويحولوا بينهم وبينه؛ وتلك هي سمة لكل منافق وضال وعدو للحق والهدى أن يشوش على الكلام الحق بكل سبيل، وكل وسيلة، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت:26].


أما حينما نتأمل ما ورد في سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فنجد أنها أحاديث تؤكد ما ذكره القرآن من أن تركه والبعـد عنه والإعراض عن أربابه سمة من سمات المؤمنين، وصفـة من صفات المتقين.


وكان أول البعيدين عن اللغو والمتنزهين عن أربابه محمد -صلى الله عليه وسلم-، فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصـلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة.


وبما أن اللغو يقسي القلوب، ويذهب الخشوع، ويحمل الأوزار، وينقص ثواب الأعمال؛ فقد دل -صلى الله عليه وسلم- أمته على كفارات لذلك إذا امتثلها المسلم طَهّرت نفسه، وزكّت فؤاده، وأذهبت لغوه.


ومن ذلك الزكاة عموماً، وزكاة الفطر خصوصاً، حيث يقول ابن عباس -رضي الله عنه-: "فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين" أخرجه أبو داود وصححه الحاكم.


وفي البيع والتجارة قال -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر التجار! إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة" أخرجه أبو داود وصحَّحه الألباني.


ومما حذر فيه -صلى الله عليه وسلم- من اللغو خطبة الجمعة؛ فاللغو فيها يبطل ثوابها، ويذهب بأجرها، مما يدل على عظم شأنها، ووجوب الإنصات إليها، قال -صلى الله عليه وسلم-: "من اغتسل يوم الجمعة، وَمَسَّ مِن طِيب امرأته -إن كان لها-، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخَطَّ رقابَ الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما؛ ومن لغى وتخطَّى رقاب الناس كانت له ظهراً" أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة؛ ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قلت لصاحبك أَنْصِتْ يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" متفق عليه.


وحينما سئل -صلى الله عليه وسلم- عن خديجة -رضي الله عنها- قال: "رأيتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب" أخرجه الطبراني وهو حسن بشواهد.


إنه مما مضى من آيات وأحاديث عن اللغو تَبَيَّنَ لنا خطورة هذا الخلق الذميم الذي يذهب الحسنات، ويتدنى بالخلق، ويهز المروءة، ويتنافى مع سمو الروح، ورقي المشاعر، وتألق المؤمن؛ وإن المجالس قل أن تخلو من لغو، أو تصفو من لفظ، أو تسلم من لهو؛ ولأجل ذلك دلنا -صلى الله عليه وسلم- على ما يذهب ذلك كله، فيكفر الخطأ، ويمحو الذنب، ويرفع الدرجة؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: "من جلس في مجلس فكثُر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. إلا غفر لـه ما كـان في مجلسه ذلك" أخرجه الترمذي وصححه.


أيها المؤمنون: إذا كانت هذه خطورة اللغو، وتلك سمة أربابه، بغيض إلى الله، بغيض إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، بغيض إلى المؤمنين؛ نُزِّهَتْ عنه الجنة، وهو مجرد الكلام الذي لا فائدة منه ولا قيمة له، فما بالكم بضياع الأوقات في ذنوب واضحة، ومنكرات بينّة؟ وما بالكم بشغل الجوارح فيما نهى الله عنه، وحذر منه، من معاصٍ بيّنة، وذنوب جليّة، ومنكرات بغيضة؟.


يا الله! كم يضيع من أوقاتنا اليوم! يا الله! كم شغلت أبصارنا وأسماعنا بما يمجه الحق، ويأباه الدين، ويتنافى مع الخلق! إن الحج بشعائره العظيمة فرصة للتوبة والترقي في مراقي الكمال، وإن عشر ذي الحجة، بما هيأ الله تعالى فيها من الخير، فرصـة لاغتنامها في تزكيـة الأرواح، وتهذيب المشاعر.


فلنسمُ بأرواحنا وأقوالنا وأفكارنا ومجالسنا عن كل نقيصة، فالعمر غنيمة، والحياة فرصة، والأنفاس محدودة، والأيام معدودة.


هنا

مِنْ أَسْبَابِ الفَلاَحِ (06): الإِعْرَاضُ عَنِ اللَّغْوِ (03)

أُلْقِيَت يوم الجمعة 22 رجب 1433هـ الموافق لِـ: 15 جوان 2012م.
ذَكَرْنَا مِن صفاتِ المؤمِنين المفلِحين: إعراضَهم عن اللَّغو، وذكرنا أنَّ أصلَ اللَّغو هو ما لا فائدَةَ فيهِ من الأقوالِ والأفعال، وقلنا كذلك: إنَّ اللَّغوَ هو الباطل، وهو ما عدا الحقّ.
ولتعلموا –عبادَ الله!- أنَّه يدخلُ في معاني اللَّغو هذه: «اللَّعب واللَّهو والهزْل».

واللَّعبُ هو: «عَمَلٌ يَشغَلُ عمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ إلى مَا لا يُنْتَفَعُ بِهِ»[1].
واللَّهوُ هو: «صَرْفُ النَّفْسِ عن الجِدِّ إلى الهَزْلِ»[2].
ولتعلموا -عباد الله!- أنَّ اللَّهو وكذا اللَّعب، لمّا كانَ لا فائدةَ فيهِ ولا طائلَ تحتَهُ، وهو عَبَثٌ، تنزَّهَ الحقُّ تبارك وتعالى عنهُ، قال الحقُّ عزَّ شأنُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[الزّخرف:37-38]، وقال تعالى على لسانِ المؤمنين: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ[آل عمران:191]، أي: ما خلقْتَهُ عَبَثًا، ما خَلَقْتَهُ من بابِ اللَّعِب.
فليتفكَّر المؤمنُ في أنّه لم يُخلَق ولم يُوجِدْهُ ربُّهُ في هذه الحياةِ الدّنيا ليَلْعَبَ ويلهُوَ ويَعْبَثَ ويشتغلَ بالباطل، بل خلقَهُ الله تعالى للحقّ وليعملَ بالحقّ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذّاريات: 56]، وقال تعالى مُذكِّرًا وناصحًا وواعظًا عبادَهُ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ[الأنعام: 33]، والمعنى: انتبِهوا فلا تغترُّوا بما فيها من ملذَّات، لا تشتغلُوا بها فتُنسيَكم العملَ للآخرة.
فالاشتغالُ بالدّنيا اشتغالٌ بالباطل، والاشتغالُ بالآخرةِ اشتغالٌ بالحقّ.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، يقولُ الله: إنّما شأنُ من يشتغلُ بالدّنيا شأنُ من يلعبُ ويَلهو، ثمّ لا يُحصِّلُ على طائلٍ من لعبِهِ ولهوِهِ، لأنَّ الدّنيا فانيةٌ سريعةُ الزَّوال قريبةُ الاضمِحلال، فإذا عمِلتَ فيها بحقٍّ فعملُكَ باقٍ ثابتٌ تَنتفعُ به في الدّار الأخرى، وإن عمِلتَ فيها بغيرِ الحقّ عملتَ فيها بالباطل، فعملُكَ ضائعٌ زائلٌ مُضمحلٌّ، لا فائدةَ فيه، ولا تنتفعُ بِهِ.
قالَ رسولُ الله (صلّى الله عليهِ وسلَّم): «أَصْدَقُ كلمةٍ قالها الشَّاعر؛ كلمةُ لَبِيد: أَلاَ كُلِّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ»[3]. فقولهُ: «باطلُ»، أي: فإنَّهُ مُضْمَحِلٌّ[4] زائلُ، وتمامُ قولِ الشّاعر: وكلُّ نعِيمٍ لا محالةَ زائلُ.
«والمعنى: كُلُّ ما قرَّبَ من اللهِ فليسَ بباطل، وكلُّ شيءٍ من أمورِ الدّنيا الّتي لا تؤُولُ إلى طاعةِ اللهِ، ولا تُقرِّبُ منهُ، فهيَ باطلٌ»[5].
وقالَ رسولُ اللهِ (صلّى الله عليهِ وسلّم): «الدُّنيا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ ما فيها، إلاَّ ذِكْرَ اللهِ ومَا وَالاَهُ، وعالِمًا أو مُتَعَلِّمًا»[6].
فقوله: «الدّنيا»، أي: الدّنيا الّتي تَصُدُّ عن الحقّ، الدّنيا الّتي تَغُرُّ.
قوله: «ملعونةٌ»؛ لأنَّها تَغُرُّ النّفوسَ بزهرتِها ولذّتِها فتُميلُهُم عن الحقِّ وعن العبُوديَّةِ للهِ إلى عُبُوديَّةِ الهَوَى.
«ملعونٌ ما فيها إلاّ ذِكْرَ الله»، وفي لفظٍ آخر: «إلاّ ما كانَ منها لله»، وفي لفظٍ آخر: «إلاّ ما أَوى إلى الله»، «يعني: ما كانَ للهِ ورَضيَهُ».
وقولهُ: «مَلْعُونٌ ما فيها»، أي: ممّا شغلَ عنِ اللهِ، لا ما تُقُرِّبَ بِهِ إليهِ.
فالدّنيا وما فيها مُبْعِدٌ عن الله، هذه الدّنيا المُلْهِيَة متروكة مَطرُودَةٌ، ينبغي للمُؤمنِ أن يترُكَها، قالَ: «وعالِمًا أو متعلِّمًا»، أي: إلاّ العلم النَّافع، الّذي يدُلُّ على اللهِ ويُقرِّبُ إليهِ[7].

عبادَ الله! ... أهلُ الحقّ أهل الإيمان، أهلُ الفلاح، هم كما قالَ اللهُ تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، هُمْ على هُدًى من ربّهم، قلُوبهم مُعلَّقةٌ بالحقّ، وشغلُهم وعملُهم وشأنُهُم هو الحقّ، فهم مُصاحِبُون للحقّ في جميعِ أحوالهم، أهلُ جِدٍّ وسَعْيٍ فيما يُقرِّبُ إلى الحقِّ جلَّ وعلا، فالّذي هُمْ فيهِ مِن الجِدِّ شَغَلَهم عن اللَّعبِ واللَّهوِ والهزل.
جاءَ عن الضّحّاك (رحمه الله) في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً[الفرقان:72]، قال: «لم يَكُن اللَّغْوُ مِن حَالِهِمْ ولا بَالِهِمْ».

عبادَ الله! ... «اللَّغْوُ هو كلُّ ما شغلَ عن الحقِّ عزَّ وجلّ»، و«كلُّ ما سوَى اللهِ تعالى فهوَ لغْوٌ»[8].
قال قتادةُ (رحمه الله) في قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ: «أَتَاهم واللهِ من أمرِ اللهِ ما وَقَذَهم عن ذلك»[9].
قالَ: «أَتَاهم واللهِ من أمرِ اللهِ»، أي: من مواعظِ اللهِ وزواجرِهِ وتذكيرِهِ «ما وَقَذَهم»، أي: أفزَعهم وأنهضَهم وطرَدَهم عن كلِّ لهوٍ ولعبٍ، استولى عليهم الهمُّ وسيطرَ عليهم الفِكْرُ في أَمْرِ آخرتهم ومصيرهم بعدَ موتهم، فاتَّعظت قلوبهم وخافت، امتلأت القلوبُ هيبةً وخشيةً وتفكُّرًا وتدبُّرًا، خافَتْ وسَكَنَتْ وخَشَعَتْ وخَضَعَتْ، فما كانَ لها أن تَعْرِفَ لهوًا، أو تَقْرَبَ لعبًا، أو تَنْصَرِفَ إلى هَزْلٍ، أو تَأْنَسَ إلى عَبثٍ، «شغَلَهم الجِدُّ فيما أَمَرَهُمُ اللهُ بِهِ عن اللَّغْوِ»[10].

عبادَ الله! ... ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب: 21].
صحَّ من حديثِ عبد اللهِ بن ِأبي أَوْفَى (رضي الله عنه) قالَ: «كانَ رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه وسلَّم) يُكْثِرُ الذِّكْرَ ويُقِلُّ اللَّغْوَ... »الحديث[11]. قولُهُ: «يُكْثِرُ الذِّكْرَ»، أي: ذِكْرَ الله، وقولُهُ: «يُقِلُّ اللَّغْوَ»، أي: ذِكْرَ الدُّنيا وما يَتعلَّقُ بها[12].

ـ «مَرَّ عليٌّ (رضي الله عنه) على قومٍ يَلعبُون بالشّطرنج، فوَقَفَ عليهم، فقالَ: أَمَا واللهِ لِغَيْرِ هذا خُلِقْتُم، أَمَا واللهِ لِغَيْرِ هَذا خُلِقْتُم، أَمَا واللهِ لولا أَنْ تَكُونَ سُنَّةً لضَرَبْتُ وُجُوهَكُم»[13].
ـ و«مَرَّ مسروقٌ (رحمه الله) بقومٍ يَلْعَبُون بالنَّرد، فقالُوا: يا أبا عائشة إنَّا رُبَّمَا فَرَغْنَا فَلَعِبْنَا ِبَها، فقالَ: مَا بِهَذَا أُمِرَ الفَارِغُ»[14].
ـ و«عن شُريحٍ: أنَّهُ رأى جيرانًا لهُ يَجُولُون، فقالَ لهم: ما لكم تَجُولُون؟ قالوا: فرَغنَا اليومَ، فقالَ لهم شُريحٌ: وبِهذَا أُمِرَ الفارِغ؟»[15].
ـ عن مجاهدٍ (رحمه الله) قالَ في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ[الشّرح: 7-8]: «إذا فَرَغْتَ من أَمرِ دُنْيَاكَ – أي: المعاش- فانْصَبْ فَصَلِّ»[16].

عبادَ الله! ... قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾[المائدة:90-91]. إذا سُئلَ الواحدُ منَّا عن معنى الميسِرِ في هذه الآيةِ لقالَ سَرِيعًا هو القِمار، ولكن اسمعُوا ما قالَ الإمامُ مالكٌ (رحمه الله)، قالَ: «المَيْسِرُ مَيْسِرَانِ: مَيْسِرُ اللَّهْوِ، ومَيْسِرُ القِمَارِ، فمِن مَيْسِرِ اللَّهْوِ: النَّرْدُ والشّطرنج والملاهي كلُّها، ومَيْسِرُ القِمَارِ: ما يُخَاطِرُ النَّاسُ عَلَيْهِ»[17].
وقال القاسم (رحمه الله): «كلُّ ما ألهى عن ذِكْرِ اللهِ وعن الصّلاةِ فهُوَ من المَيْسِرِ»[18].

وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾[يونس:32]، قال الإمامُ مالك في هذه الآيةِ: «اللَّعبُ بالشّطرنج والنَّرد من الضَّلال»[19].
وعن أشهبٍ قال: «سُئِلَ مالكٌ عن اللَّعِبِ بالشّطرنج، فقالَ: لاَ خَيْرَ فِيهِ، وليسَ بشَيْءٍ، وهُو مِن الباطل، واللَّعِبُ كلُّهُ مِن الباطل، وإنَّهُ ليَنْبَغِي لذِي العَقْلِ أَن تَنْهَاهُ اللِّحْيَةُ والشِّيبُ عنِ الباطل».
وقال الإمامُ الزُّهريّ (رحمه الله)، «لمّا سُئلَ عن الشّطرنج: هِيَ مِن البَاطِلِ، ولاَ أُحِبُّهَا»[20].

عبادَ الله، وما تقدّمَ من حُكْمِ علماءِ السَّلف في الشّطرنج، يَجري على لَعِبِ «الكَارْطَة» و«الضَّامَّة» و«الدُّومِينُو»، فَكُلُّهُ مِن الباطل، ومِن اللَّغْو، الّذي يَنبغِي أن يُجتَنَبَ ويُعرَضَ عنهُ، لمن أرادَ أن يكونَ من المُفلِحِين.
فنسألُ اللهَ تعالى أن يُوفِّقنا ويُوفِّقَ سائرَ المسلمين لاجتنابِ كُلِّ باطلٍ، آمين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.




[1] - «تفسير البحر المحيط».
[2] - «تفسير البحر المحيط».
[3] - متّفقٌ عليهِ.
[4] - «الدّيباج على صحيح مسلم» للسّيوطيّ.
[5] - «شرح البخاريّ »لابن بطّال.
[6] - «صحيح الجامع»(3414).
[7] - انظر في شرح الحديث: «فيض القدير» للمُناوي.
[8] - «تفسير الألوسيّ».
[9] - «تفسير ابن كثير».
[10] - «تفسير زاد المسير».
[11] - «صحيح الجامع»(5005).
[12] - «مرقاة المفاتيح» للقاريّ.
[13] - «تفسير الدّر المنثور».
[14] - «تفسير الدّر المنثور».
[15] - «الزّهد» لهنّاد بن السّريّ.
[16] - «الزّهد» لابن المبارك.
[17] - «تفسير القرطبيّ».
[18] - «تفسير الدّر المنثور».
[19] - «تفسير القرطبيّ».
[20] - «تفسير القرطبيّ».

هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق