محرك بخثي للقرآن الكريم



بحث عن:

الثلاثاء، 19 مايو، 2015

تحويــل القِبْلَــة

تحويــل القِبْلَــة 
 اقتضـت حكمـة الله عـز وجـل أن يبعـث علـى النـاس فـي عهـد النبـوة بيـن الفينـة والفينـة ريـحَ فتنـة يبتلـي بهـا النفـوس ؛ ليظهـرَ الصـادقَ فـي إيمانـه ،
الـذي لا تزلزلـه الفتـن ، ولا تنـال منـه الزعـازع ،
مـن المنافـق الـذي لا يلبـث أن يتكشـف ما فـي نفسـه مـن ظلمـات الشـكوك ، وعوامـل الهزيمـة فيـذوب فـي الفتنـة كمـا يـذوب الملـح فـي المـاء .
فكـان تحويـل القبلـة من هـذه الابتـلاءات الكبـرى التـي أراد الله بها هـز المجتمـع الإسـلامي لتتسـاقط عـن شـجرته المباركـة الأوراق اليابسـة والثمـرات العفنـة ،
ولا يبقـى إلا القـوي الجيـد الـذي له من صلابـة الإيمـان وقوة اليقيـن ونـور البصيـرة ما يَـرُد عنـه مضـلات الفتـن وينجيـه مـن بوائِقِهـا .
* فعـن البـراء بـن عـازبٍ أن النبـي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كـان أولَ مـا قَـدِمَ المدينـةَ نـزل علـى أجـداده أو قـال : أخوالـهِ مـن الأنصـار ، وأنـه صلـى قِبـلَ بيـت المقـدسِ سـتة عَشَـرَ شـهرًا ، أو سـبعة عشـرَ شـهرًا ، وكـان يعجبـه أن تكـون قبلتـه قِبـلَ البيـتِ ، وأنـه صلـى أول صـلاةٍ صلاهـا صـلاة العصـر ، وصلـى معـه قـوم ، فخـرج رجـل ممـن صلـى معـه فمـر علـى أهـل مسـجد وهـم راكعـون فقـال : أشـهد بالله لقـد صليـتُ مـع رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آلهوسلم ـ قِبَـلَ مكـةَ ، فـداروا كمـا هـم قِبَـلَ البيـتِ وكانـت اليهـودُ قـد أعجبهـم إذ كـان يصلـي قِبَـلَ بيـتِ المقـدسِ وأهـلُ الكتـابِ . فلمـا ولـى وجهـه قِبَـلَ البيـتِ أنكـروا ذلـك .
صحيح البخاري . متون / ( 2 ) ـ كتاب : الإيمان / ( 30 ) ـ باب :الصلاة من الإيمان ... / حديث رقم : 40 / ص : 15 .
لمـا كـان شـأن ذلـك التحويـل عظيمـًا حيـث اتخـذ منه أعـداء الإسـلام فرصـة للطعـن وإثـارة الشـكوك ، كقولهـم : إن كانـت القبلـة الأولـى حقـًا ،فقـد تركهـا ، وإن كانـت الثانيـة هـي الحـق ، فقـد كـان علـى باطـل .وكقولهـم : إن محمـدًا مضطـرب فـي أمـره ، ينقــض اليــوم مـا أبـرم بالأمـس ، يصلـي كـل يــوم
إلـى قبلـة . إلـى غيـر ذلـك مـن العبـارات التـي كانـوا يريـدون بهـا بلبلـة الأفكـار والتأثيـر  علـى ضعفـاء الإيمـان مـن المسـلمين ، وقـد بلغـوا مـن ذلـك بعـض ما أرادوا ، فارتـد النـاس مـن ضعفـة الإيمـان عـن دينهـم . ونظـرًا لمـاصاحـب أمـر التحويـل مـن الإرجـاف والطعـن ، فقـد نزلـت قبلـه آيـات كثيـرة تتحـدث عـن النسـخ الـذي كـان اليهـود ينكرونـه .{ مَـا نَنسَـخْ مِـنْ آيَـةٍ أَوْ نُنسِـهَا نَـأْتِ بِخَيْـرٍ مِّنْهَـا أَوْ مِثْلِهَـا أَلَـمْ تَعْلَـمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قدِيـرٌ } .سورة البقرة / آية : 106 .
كمـا تحدثـت ـ الآيـات ـ عـن رغبـة أهـل الكتـاب فـي أن يـردوا المؤمنيـن كفـارًا مثلهـم مـن بعـد مـا تبيـن لهـم الحـق ، قـال تعالـى :
{ وَدُّواْ لَـوْ تَكْفُـرُونَ كَمَـا كَفَـرُواْ فَتَكُونُـونَ سَـوَاء ... } . سورة النساء / آية : 89 .
* ثـم ذكـرت الآيـات بعـد ذلـك أن اليهـود والنصـارى يختلف بعضهـم علـى بعـض ويشـهدون بعضهـم  علـى بعـض بأنهـم ليسـوا علـى شـيء وهـم يتلـون
الكتـاب ، قـال تعالـى :
{ وَقَالَـتِ الْيَهُـودُ لَيْسَـتِ النَّصَـارَى عَلَـىَ شَـيْءٍ
وَقَالَـتِ النَّصَـارَى لَيْسَـتِ الْيَهُـودُ عَلَـى شَـيْءٍ وَهُـمْ يَتْلُـونَ الْكِتَـابَ .
.. } .
سورة البقرة / آية : 113 .

* وإنـه مـن تمـام النعمـة على الأمـة التي تعـد شـريعتها متصلـة بشـريعة إبراهيـم ـ عليه السلام ومجـددة لهـا أن تكـون قبلتهـا هـي قبلـة إبراهيـم ـ عليه السلام ـ لتتـم لهـا الهدايـة والنعمـة .فقـد ذكــر سـبحانه مـا قــام بـه " إبراهيـم " مـنرفـع قـواعـد البيــت الحـرام بمعونـة ولــده " إسـماعيل " عليهمـا السـلام ودعائهمـا بعـد الفـراغ مـن ذلـك بـأن يتقبـل الله عملهمـا ، وأن يجعـل ذريتهمـا أمـة مسـلمة لـه سـبحانه وأن يريهمـا مناسـكهما ويتـوب عليهمـا ، وأن يبعـث فـي هـذه الأمـة المسـلمة رسـولاً منهـا يتلـو عليهـم آيـات الله ،ويزكيهـم ، ويعلمهـم الكتـاب والحكمـة قـال تعالـى : { وَإِذْ يَرْفَـعُ إِبْرَاهِيـمُ الْقَوَاعِـدَ مِـنَ الْبَيْـتِ وَإِسْـمَاعِيلُ رَبَّنَـا تَقَبَّـلْ مِنَّـا إِنَّـكَ أَنـتَ السَّـمِيعُ الْعَلِيـمُ * رَبَّنَـا وَاجْعَلْنَـا مُسْـلِمَيْنِ لَـكَ وَمِـن ذُرِّيَّتِنَـا أُمَّـةً مُّسْـلِمَةً لَّـكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَـا إِنَّـكَ أَنـتَ التّـَوَّابُ الرَّحِيـمُ * رَبَّنَـا وَابْعَـثْ فِيهِـمْ رَسُـولاً مِّنْهُـمْ يَتْلُـو عَلَيْهِـمْ آيَاتِـكَ وَيُعَلِّمُهُـمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَـةَ وَيُزَكِّيهِـمْ إِنَّـكَ أَنـتَ العَزِيـزُ الحَكِيـمُ }. سورةالبقرة / آية : 127 : 129


* ثـم أخبـر أن ملـة إبراهيـم وهـي الإسـلام الـذي يقـوم علـى التوحيـد الخالـص مـن كـل شـائبة ،  لا يرغـب عنهـا إلا كـل سـفيه أحمـق ، وأن إبراهيـم وصـى بهـا بنيـه ، وكذلـك يعقـوب عليهمـا السـلام قـال تعالـى : { وَمَـن يَرْغَـبُ عَـن مِّلَّـةِ إِبْرَاهِيـمَ إِلاَّ مَـن سَـفِهَ نَفْسَـهُ وَلَقَـدِ اصْطَفَيْنَـاهُ فِـي الدُّنْيَـا وَإِنَّـهُ فِـي الآخِـرَةِ لَمِـنَ
الصَّالِحِيـنَ * إِذْ قَـالَ لَـهُ رَبُّـهُ أَسْـلِمْ قَـالَ أَسْـلَمْتُ لِـرَبِّ الْعَالَمِيـنَ * وَوَصَّـى بِهَـا إِبْرَاهِيـمُ بَنِيـهِ  وَيَعْقُـوبُ يَـا بَنِـيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَـى لَكُـمُ الدِّيـنَ فَـلاَ تَمُوتُـنَّ إَلاَّ وَأَنتُـم مُّسْـلِمُونَ * أَمْ كُنتُـمْ شُـهَدَاء إِذْ حَضَـرَ يَعْقُـوبَ الْمَـوْتُ إِذْ قَـالَ لِبَنِيـهِ مَـا تَعْبُـدُونَ
مِـن بَعْـدِي قَالُـواْ نَعْبُـدُ إِلَهَـكَ وَإِلَهَ آبَائِـكَ إِبْرَاهِيـمَ وَإِسْـمَاعِيلَ وَإِسْـحَاقَ إِلَهـاً وَاحِـداً وَنَحْنُ لَـهُ مُسْـلِمُونَ } .                      سورة البقرة / آية : 130 : 133 .

* وإنـه لمـن تمـام النعمـة علـى الأمـة التـي تعـد شـريعتها متصلـة بشـريعة إبراهيـم عليـه السـلام ،  ومجـددة لهـا أن تكـون قبلتهـا هـي قبلـة إبراهيـم لتتـم بهـا الهدايـة والنعمـة ، تحقيقـًا لقـول الله تبـارك وتعالـى : { ... وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَيْكُـمْ وَلَعَلَّكُـمْ تَهْتَـدُونَ } .                                                             سورة البقرة / آية : 150 .

* فمـن تمـام النعمـة التوجـه لقبلـة إبراهيـم ـ عليه السلام ـ . قـال تعالـى : { وَمِـنْ حَيْـثُ خَرَجْـتَ فَـوَلِّ وَجْهَـكَ شَـطْرَ الْمَسْـجِدِ الْحَـرَامِ وَحَيْـثُ مَـا كُنتُـمْ فَوَلُّـواْ وُجُوهَكُـمْ شَـطْرَهُ لِئَـلاَّ يَكُـونَ لِلنَّـاسِ عَلَيْكُـمْ حُجَّـةٌ إِلاَّ الَّذِيـنَ ظَلَمُـواْ مِنْهُـمْ فَلاَ تَخْشَـوْهُمْ وَاخْشَـوْنِي وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَيْكُـمْ وَلَعَلَّكُـمْ تَهْتَـدُونَ } . سورة البقرة / آية : 150 .
* ثـم أمرهـم بمـا لا يتـم كـل ذلـك إلا بـه ، وهـو الاسـتعانة بالصبـر والصـلاة ، وأخبرهـم أنـه مـع الصابريـن ، قـال تعالـى :{ يَـا أَيُّهَـا الَّذِيـنَ آمَنُـواْ اسْـتَعِينُواْ بِالصَّبْـرِ وَالصَّـلاَةِ إِنَّ اللهَ مَـعَ الصَّابِرِيـنَ } .سورة البقرة / آية : 153 .
ولنرجـع إلـى شـرح بقيـة الحديـث مـن قـول البـراء بـن عـازب ـ رضي الله عنه ـ :
" فصلـى مـع النبـي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ  رجـل ولـم يعـرف اسـم ذلـك الرجـل ، ولا القـوم الذيـن مـر بهـم وهـم يصلـون فـي مسـجدهم ، ولكنهـم علـى كـل حـال ليسـوا أهـل قبـاء ، فـإن أهـل قبـاء لـم يعلمـوا
بتحويـل القبلـة إلا فـي صـلاة الصبـح .


كمـا جـاء فـي حديـث ابـن عمـر : بينمـا النـاس فـي صـلاة الصبـح بِقُبَـاء إذ جاءهـم آتٍ فقـال :إنَّ رســولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قـد أُنـزِلَ عليـه الليلـةَ . وقـد أُمـر أن يسـتقبل الكعبـة فاسـتقبِلوها وكانـت وجوههـم إلـى الشـام فاسـتداروا إلـى الكعبـة .
صحيح مسلم . متون / ( 5 ) ـ كتاب : المساجد ومواضع الصلاة / ( 2 ) ـ باب :تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة / حديث رقم :
13 ـ ( 526 ) / ص : 128 .

* وقـد اختلـف فـي أول صـلاة صلاهـا رسـول الله ـ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم
ـ إلـى الكعبـة بعـد التحويـل ،
فحديـث " البـراء بـن عـازب " هنـا يفيـد أنهـا صـلاة العصـر

* وَرُوِيَ عـن ابـن سـعيد بـن المعلـى أنهـا صـلاة الظهـر ، وأنـه هـو وصاحـب لـه كانـا أول مـن صلـى مـع النبـي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ  إلـى القبلـة الجديـدة .
وَرُوِيَ كذلـك أن الأمـر بالتحويـل نـزل بعـد مـا صلـى النبـي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ  ركعتيـن مـن الظهـر ، فاسـتدار فـي الصـلاة ،  وكـان ذلـك فـي مسـجد بني سـلمة ، فسـمي المسـجد " ذا القبلتيـن " .
* ويؤخـذ مـن حديـث البـراء بـن عـازب جملـة مـن الأحكـام الأصوليـة والفرعيـة ، ذكرهـا العلامـة ابـن دقيـق العيـد فـي شـرحه علـى عمـدة الأحكـام عنـد الكـلام علـى حديـث ابـن عمـر المتقـدم ، ونحـن نجملهـا فيمـا يأتـي :
1ـ قبـول خبـر الواحـد ، وعـادة الصحابـة فـي ذلـك اعتـداد بعضهـم بنقــل بعـض ، وورد عنهـم
فـي ذلـك مـا لا يُحصـى ، ومعنـى ذلـك أن خبـر الواحـد العــدل ، يفيـد العلـم بمضمونـه ويجـب العمـل بـه ، خلافـًا للمتكلميـن مـن المعتزلـة وغيرهـم .
2 ـ جـواز نسـخ السـنة بالكتـاب ، فإنمـا الصـلاة إلـى بيـت المقـدس إنمـا كانـت بالسـنة ، إذ لا نـص فـي القـرآن علـى ذلـك ، وتحويـل القبلـة إلـى الكعبـة إنمـا كـان بالكتـاب .
3 ـ دلَّ الحديـثُ علـى أن حكــم " الناسـخ " لا يثبـت فـي حـق المكلـف قبـل بلـوغ الخطــاب لـه ، فإنهـم بنـوا ـ صلاتهـم ـ علـى ما فعلـوه مـن الصــلاة جهـة بيـت المقـدس ، ولـو ثبـت الحكـم فـي حقهـم قبـل بلـوغ الخبـر إليهـم ؛ لكانـت صلاتهـم إلى بيـت المقـدس باطلـة ، فـلا يجـوز البنـاء
عليهـا ، بل كـان يجـب اسـتئنافها( أي : إعادتهـا من جديـد ) .
4 ـ فيـه دليـل علـى جــواز تنبيـه مـن ليـس فـي الصــلاة لمـن هـو فيهـا ، وأن يَفْتَـح عليـه القـراءة .
5 ـ قـال الطحـاوي : فـي هـذا دليـل علـى أن مـن لم يعلـم بفـرض الله تعالـى ، ولـم تبلغـه الدعـوة ، ولا أمكنـه اسـتعلام ذلـك مـن غيـره ، فالفـرض غيـر لازم لـه ، والْحُجَّـة غيـر قائمـة عليـه .
تعقيـــب :
********
1 ـ نقـل الإمـام القرطبـي عـن أبـي حاتـم البسـتي قـال :
صلـى المسـلمون إلـى بيــت المقـدس سـبعة عشـر شـهرًا
أيـام ، وذلـك أن قـدومـه صلـى الله عليـه وعلـى آله وسـلم المدينـة كـان يـوم الإثنيـن لاثنتـي عشـرة ليلـة ، خلـت مـن
شـهر ربيـع الأول ، وأمـره الله عــز وجــل باسـتقبال الكعبـة يـوم الثلاثـاء للنصـف الأول مـن شـعبان
2ـ ويحكـي ابـن كثيـر فـي البدايـة والنهايـة ، وكذلـك فـي تفسـيره أن ذلـك كـان فـي رجـب سـنة اثنتيـن علـى رأس سـتة عشـر شـهرًا .
علـى أن الخـلاف فـي وقـت التحويـل لا يهمنـا بقـدر مـا يهمنـا مـا يفعلـه النـاس فـي المواسـم بمـا طغـى علـى ما وقـع فيهـا مـن أحـداث هامـة مـن أمـر الإسـلام .
مجلة التوحيد العدد الخاص بشـعبان : 1414 هـ ، 1415 هـ .

الجمعة، 15 مايو، 2015

تلخيص تفسير سورة الكهف


تلخيص تفسير سورة الكهف
*عـن أنـس ـ رضي الله عنه ـ قــال : قـال رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ :
" إن لله أهليـن مـن النـاس " قالـوا : مـن هـم يـا رســول الله قـال : " أهـل القــرآن هـم أهـل الله وخاصتـه " .
رواه النسائي وابن ماجه والحاكم ـ صحيح ـ صحيح الترغيب والترهيب تحقيق الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ ج : 2 / ص : 168 / حديث رقم : 1432 . 
  - عن أبي سعيدٍ قال : من قرأ سورةَ الكهفِ ليلةَ الجمعةِ ، أضاء له من النورِ ما بينه وبين البيتِ العتيقِ
الراوي: [قيس بن عباد] المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 736 

- "من قرأ سورةَ الكهفِ يومَ الجمعةِ أضاء له النُّورُ ما بينَه و بين البيتِ العتيقِ"
الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6471-خلاصة حكم المحدث: صحيح 

" ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ "الكهف1
الحمد لله هو الثناء عليه بصفاته، التي هي كلها صفات كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وأجل نعمه على الإطلاق، إنزاله الكتاب العظيم على عبده ورسوله، محمد صلى الله عليه وسلم فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم، ثم وصف هذا الكتاب بوصفين مشتملين، على أنه الكامل من جميع الوجوه، وهما نفي العوج عنه، وإثبات أنه قيم مستقيم، فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث، وإثبات الاستقامة، يقتضي أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات وهي الأخبار، التي تملأ القلوب معرفة وإيمانا وعقلا، كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة، وأن أوامره ونواهيه، تزكي النفوس، وتطهرها وتنميها وتكملها، لاشتمالها على كمال العدل والقسط، والإخلاص، والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له.
"قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً "الكهف2
جعله الله كتابًا مستقيمًا، لا اختلاف فيه ولا تناقض؛ لينذر الكافرين من عذاب شديد من عنده، ويبشر المصدقين بالله ورسوله الذين يعملون الأعمال الصالحات، بأن لهم ثوابًا جزيلاً هو الجنة،
 

 "مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً "الكهف3 لا يزول عنهم، ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد، وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا القرآن قد اشتمل على كل عمل صالح، موصل لما تستبشر به النفوس، وتفرح به الأرواح.
 "وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً "الكهف4
بعد إنذار عامة الكافرين العصاة من وثنيين وغيرهم خص الذين اتخذوا الولد، كرّر الإنذار ليكون خاصاً بقمة المعاصي

 إنها قمة المعاصي أنْ نخوضَ في ذات الله تعالى بمقولة تتفطر لها السماء، وتنشق لها الأرض، وتنهدّ لهوْلِها الجبال.
 "وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً" [ مريم: 88 - 92]
"مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً "الكهف5

ليس عند هؤلاء المشركين شيء من العلم على ما يَدَّعونه لله من اتخاذ الولد، كما لم يكن عند أسلافهم الذين قلَّدوهم، عَظُمت هذه المقالة الشنيعة التي تخرج من أفواههم، ما يقولون إلا قولا كاذبًا
*"فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً "الكهف6
 "
بَاخِعٌ نَفْسَكَ" مهلكٌ نفسَك، لأنه كان صلّى الله عليه وسلّم إذا لم يجيبوه حَزِنَ حَزناً شديداً، وضاق صدره حتى يكادَ يَهلك،فسلاَّه الله عزّ وجل وبيّن له أنه ليس عليه من عدم استجابتهم من شيء، وإنما عليه البلاغ وقد بلَّغ.
{{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ}} [الرعد: 40] ، وهكذا ورثته من بعده: العلماء، وظيفتهم البلاغ وأما الهداية فبيد الله، ومن المعلوم أن الإنسان المؤمن يحزن إذا لم يستجبِ الناس للحق، لكنَّ الحازنَ إذا لم يقبل الناس الحق على نوعين: 1 ـ نوع يحزن لأنه لم يُقبل.
2 ـ ونوع يحزن لأن الحق لم يُقبل.

{ {عَلَى آثَارِهِمْ} } أي بتتبع آثارهم،على ما خلفوه من آثار المعاصي،
{ {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ} } أي إن لم يؤمنوا بهذا القرآن.
*{{وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا *}}.الكهف 7

( وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ ) أي مصيرون ( مَا عَلَيْهَا ) مما كان زينة لها أو (مَا عَلَيْهَا ) مما هو أعم من الزينة وغيره ( صَعِيدًا ) تراباً ( جُرُزًا) أي لا نبات فيه ، هي ستصير كأن لم تكن كما قال عزّ وجل: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس: 24]
* "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا" (9) 

كان كفار قريش قد سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم عن قصتهم،«أم» هنا منقطعة، فهي بمعنى «بل»،
و{ {حَسِبْتَ} } بمعنى ظننتَ، هنا أتى بـ«أم» المنقطعة التي تتضمن الاستفهام من أجل شد النَّفس إلى الاستماع إلى القصة لأنها حقيقة عَجب، هذه القصة عجب.

{ {الْكَهْفِ} } الغار في الجبل.
{ {وَالرَّقِيمِ} } بمعنى المرقوم: أي المكتوب لأنه كتب في حجر على هذا الكهف قصتُهم من أولها إلى آخرها.{ {مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} } من آيات الله الكونية. تفسير العثيمين
*إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا *}}.الكهف 10
{أَوَى} من المأوى، وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ويلجأ إليه
و{ {الْفِتْيَةُ} } جمع فتى، وهو الشاب الكامل القوة والعزيمة.
{ {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} } أي لجأوا إليه من قومهم فارين منهم خوفاً أن يصيبهم ما أصاب قومهم من الشرك والكفر بالبعث، فقالوا: { {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} } لجأوا إلى الله.
{ {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} } أي رحمة ترحمنا بها. وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا *} }،
اجعل لنا، وتهيئة الشيء أن يُعد ليكون صالحاً للعمل به.

{ {مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} } الرشد: ضد الغَيّ، أي اجعل شأننا موافقاً للصواب.

*{{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا *}}الكهف 11
 استجاب الله دعاءهم, وقيض لهم, ما لم يكن في حسابهم
*قال: " فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ " أي أنمناهم " سِنِينَ عَدَدًا " 
أي معدودة، وسيأتي بيانها , وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف, وحفظ لهم من قومهم.مقتبس من تفسير السعدي
*{{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا *}}. الكهف 12 
 وذلك بإيقاظهم من النوم. وسمى الله الاستيقاظ من النوم بعثاً لأن النوم وفاةٌ،
"لِنَعْلَمَ"لنعلم علم ظهور ومشاهدة وليس علم الظهور والمشاهدة كعلم ما سيكون، والثاني علماً يترتب عليه الجزاء.
 { {أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} } قوله: { {الْحِزْبَيْنِ} } يعني الطائفتين.لمعنى: أي الحزبين أضبط لما لبثوا أمداً، أي: المدة التي لبثوها؛ لأنهم تنازعوا أمرهم.
 *{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً *}}.الكهف 13

نِعمَ القائل صدقاً وعلماً وبياناً وإيضاحاً؛ لأن كلام الله تبارك وتعالى متضمن للعلم والصدق والفصاحة والإرادة، أربعة أشياء.
"نَحْنُ" للتعظيم وليس للتعدد { {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} } أي نقرأه عليك ونحدثك به { {نَبَأَهُمْ} } أي خبرهم { {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} } أي بالصدق المطابق للواقع.
{ {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} } فتية شباب ولكن عندهم قوة العزيمة وقوة البدن وقوة الإيمان."
إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً *} } زادهم الله عزّ وجل هدى لأن الله تعالى يزيد الذين يهتدون هدى، وكلما ازددت عملاً بعلمك زادك الله هدى أي زادك الله علماً
" وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا"الكهف 14  
  {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} } أي ثبتناها وقويناها وجعلنا لها رِباطاً، لأن جميع قومهم على ضدهم، ومخالفة القوم تحتاج إلى تثبيت لا سيما أنهم شباب والشاب ربما يؤثر فيه أبوه ويقول له «اكفر»، ولكن الله ربط على قلوبهم فثبتهم، اللهم ثبتنا يا رب.
{إِذْ قَامُوا} يعني في قومهم معلنين بالتوحيد متبرئين مما كان عليه هؤلاء الأقوام. 

 "..رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا *}:وليس رب فلان وفلان بل هو رب السموات والأرض فهو سبحانه وتعالى مالك وخالق ومدبِّر السموات والأرض.{ { لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا *} } لن ندعو دعاء مسألة ولا دعاء عبادة إلهاً سواه، فأقروا بالربوبيَّة وأقرُّوا بالألوهية، الربوبية قالوا: { {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا *} } والألوهية قالوا: { {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا *} } مِنْ دُونِهِ أي سواه.
 {لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} أي: قولاً مائلاً وموغلاً بالكفر،
*
"هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا" الكهف 15
قوله تعالى: {هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} يشيرون إلى وجهة نظرهم في انعزالهم عن قومهم، قالوا: {هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا} أي صيَّروا آلهة من دون الله، عبدوها من دون الله.
{لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} يعني هلاَّ {يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ} أي على هذه الآلهة، أي: على كونها آلهة
وكونهم يعبدونها. فالمطلوب منهم شيئان:

1 ـ أن يثبتوا أن هذه آلهة.
2 ـ أن يثبتوا أن عبادتَهم لها حق، وكلا الأمرين مستحيل.
{بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} السلطان كلُّ ما للإنسان به سُلطة، قد يكون المراد به الدليل
 {بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} أي بحجة ظاهرة يكون لهم بها سُلطة؛ 
" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا"أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، واعلم أن الاستفهام إذا ضُمِّن معنى النفي صار فيه زيادة فائدة، وهي أنه يكون مُشْرَباً معنى التحدي لأن النفي المجرد لا يدل على التحدي، فهذا تحدي، كأنك تقول: أخبرني أو أوجد لي أحداً أظلم ممن افترى على الله كذباً،أي من أشد ظلماً ممن افترى على الله كذباً.
* {وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا *} الكهف : 16.

أي‏:‏ قال بعضهم لبعض، إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم، فلم يبق إلا النجاء من شرهم، والتسبب بالأسباب المفضية لذلك، لأنهم لا سبيل لهم إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم، وهم على غير دينهم، ‏{‏فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ‏}‏ أي‏:‏ انضموا إليه واختفوا فيه ‏{‏يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا‏}‏ وفيما تقدم، أخبر أنهم دعوه بقولهم ‏{‏ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا‏}‏ فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة، ولهذا قال‏:‏
 {{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا *»الكهف 17

أي‏:‏ حفظهم الله من الشمس فيسر لهم غارا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينا، وعند غروبها تميل عنه شمالا، فلا ينالهم حرها فتفسد أبدانهم بها، ‏{‏وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ‏}‏ أي‏:‏ من الكهف أي‏:‏ مكان متسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان الضيق، خصوصا مع طول المكث، وذلك من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته بهم، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ‏}‏ أي‏:‏ لا سبيل إلى نيل الهداية إلا من الله، فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين، ‏{‏وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا‏}‏ أي‏:‏ لا تجد من يتولاه ويدبره، على ما فيه صلاحه، ولا يرشده إلى الخير والفلاح، لأن الله قد حكم عليه بالضلال، ولا راد لحكمه‏.‏
{‏وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ‏}‏ أي‏:‏ تحسبهم أيها الناظر إليهم ‏[‏كأنهم‏]‏ أيقاظ، والحال أنهم نيام، قال المفسرون‏:‏ وذلك لأن أعينهم منفتحة، لئلا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظا، وهم رقود، ‏{‏وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ‏}‏ وهذا أيضًا من حفظه لأبدانهم، لأن الأرض من طبيعتها، أكل الأجسام المتصلة بها، فكان من قدر الله، أن قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالا، بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم، والله تعالى قادر على حفظهم من الأرض، من غير تقليب، ولكنه تعالى حكيم، أراد أن تجري سنته في الكون، ويربط الأسباب بمسبباتها‏.‏
{‏وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ‏}‏ أي‏:‏ الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه بالوصيد، أي‏:‏ الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض‏.‏ وأما حفظهم من الآدميين، فأخبر أنه حماهم بالرعب، الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحد، لامتلأ قلبه رعبا، وولى منهم فرارا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدة الطويلة، وهم لم يعثر عليهم أحد، مع قربهم من المدينة جدا، والدليل على قربهم، أنهم لما استيقظوا، أرسلوا أحدهم، يشتري لهم طعاما من المدينة، وبقوا في انتظاره، فدل ذلك على شدة قربهم منها‏.‏ 
18

الثلاثاء، 12 مايو، 2015

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان



مـا ورد فـي ليلــة
النصــف مـن شـعبان


*.*.*.*.*.*.*.*



ـ عـن معـاذ بـن جبـل ـ رضي الله عنه ـ عـن النبـي ـ
صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال : " يطَّلـع اللهُ إلـى جميـع خلقِـهِ ليلَـةَ النصـفِ مـن شـعبانَ ، فيغفـرُ لجميـعِ خلقـه إلا لمشـركٍ أو مُشـاحن " .
رواه الطبراني ، وابن حبان . وقال الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 / ( 9 ) ـ كتاب : الصوم / ( 8 ) ـ باب ـ : الترغيب في صوم شعبان / حديث رقم :
1026 / ص : 597 ، حسن صحيح .
وليـس معنـى هـذا أن نخـص هـذه الليلـة بعبـادة معينـة ( صيـام ، قيـام ، ..... ) ، ولكـن نفعـل كمـا فعـل رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ ، وهـو صيـام أغلـب
شـهر شـعبان بمـا فيـه هـذه الليلـة دون تخصيـص .
تحذيـر مـن " البـدع " التـي اعتادهـا بعـض النـاس فـي هـذه الليلـة :مجلة التوحيد / شعبان : 1413 .
1 ـ الاجتمـاع لهـا والاحتفـال بهـا إحيـاءً لذكـرى تحويـل القبلـة .( وسـيأتي إن شـاء الله تفصيـل ذلـك والـرد عليـه ) .
وليـس لذلـك أصـل فـي الشـرع ، ويكفـي فـي ذلـك قولـه تعالـى :{ ... الْيَـوْمَ أَكْمَلْـتُ لَكُـمْ دِينَكُـمْ ... } . سورة المائدة / آية : 3 . ولـو كـان يُشْـرَع الاحتفـال بهـا لأرشـد إليـه النبـي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ ، أو فعلـه بنفسـه ، ولـو وقـع شـيء منـه لنقلـه الصحابـة ولـم يكتمـوه .
2 ـ تخصيصهـا بالصـلاة ، وقـد قـال الحافـظ العراقـي :
" حديـث صـلاة النصـف من شـعبان ، موضـوع علـى رسـول الله ، وكـذب عليـه " . ا . هـ .
ـ وقـال النـووي فـي كتـاب المجمـوع :
" الصـلاة المعروفـة
بصـلاة الرغائـب وهـي اثنتـا عشـرة ركعـة بيـن المغـرب والعشـاء ليلـة أول جمعـة مـن رجـب ، وصـلاة ليلـة النصـف مـن شـعبان مائـة ركعـة ، هاتـان الصلاتــان بدعتـان منكرتـان ، فـلا يُغْتَــرُّ بذكرهمـا فـي كتـاب " قــوت القلـوب " ،و " إحيـاء علـوم الديـن " ،
ولا بالحديـث المذكـور فيهمـا ، فـإن كـل ذلـك باطـل "
.
ا . هـ

ـ وكـذا نَبَّــه علـى ضعـف هـذه الأحاديـث" ابـن الجـوزي "و " القرطبـي " و " ابـن القيـم "و " الفيـروز أبـادي " .
3 ـ تخصيـص يومهـا بالصيـام ، وليلتهـا بالقيـام وليـس علـى ذلـك دليـل يجـوز الاحتجـاج بـه .ويجـب التنبيـه علـى ضعـف الحديـث الـوارد فـي ذلـك وهـو : عـن علـي ..... :
" إذا كانـت ليلـة
النصـف مـن شـعبان ، فقومـوا ليلهـا ، وصومـوا نهارهـا (1) " .حديث ضعيف / رواه ابن ماجه .
قـال محشـيه : وفـي الزوائـد إسـناده ضعيـف ، لضعـف
ابـن أبـي بسـرة ، وقـال فيـه أحمـد وابـن معيـن :" يضـع الحديـث " . ا . هـ .السنن والمبتدعات للشقيري / ص : 128 .

( 1 ) سنن ابن ماجه [ المجلد الواحد ] / تحقيق الشيخالألباني / ( 5 ) ـ كتاب : إقامة الصلاة والسنة فيها /( 191 ) ـ باب : ما جاء في ليلة النصف من شعبان / حديث رقم : 1388 / ص : 247 / ( ضعيف جدًا أو موضوع )
4 ـ الوَقِيـد وإيقـاد النـار ليلـة النصـف مـن شـعبان :
لـم يصـح فيـه شـيء عـن رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلي آله وسلم ـ .
5 ـ مـا اعتـاده النـاس مـن قـراءة دعـاء مخصـوص بعـد الغـروب ويوزعـون في ذلـك كُتيبـًا ، وكـذا 
قـراءة سـورة " يـس " ولا يثبـت فـي ذلـك شـيء عـن رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ .


 شـــبهات والـــرد عليهـــا

*حكـم التطـوع بعـد النصـف مـن شـعبان



  عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ قـال : قـال
رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ :
" إذا بقـي نصـفٌ مـن شـعبان فـلا تصومـوا " .
سنن الترمذي [ المجلد الواحد ] / تحقيق الشيخ الألباني / ( 6 ) ـ كتاب : الصوم ... / ( 38 ) ـ باب : ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان / حديث رقم : 738 / ص : 183 / صحيح .

اختلـف العلمـاء فـي صيـام التطـوع بعـد انتصـاف شـعبان ، فذهـب الجمهـور إلـى جـوازه .
قـال الترمـذي :

ومعنـى هـذا الحديـث عنـد بعـض أهـل العلـم :
أن يكـون الرجـل مفطـرًا ، فـإذا بقـي شـيء مـنشـعبان أخـذ فـي الصـوم لحـال شــهر رمضـان .
صحيح سنن الترمذي / ج : 1 / ص : 225 / تعقيبًا على الحديث .
فـلا حـرج فـي الصيـام بعـد انتصـاف شـعبان لمـن بـدأ الصيـام فـي النصـف الأول مـن شـعبان .
*وقد أجاب ابن القيم رحمه الله في "تهذيب السنن" على من ضَعَّفَ الحديثَ ، فقال ما محصله :
إن هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ، وإنَّ تفرد العلاء بهذا الحديث لا يُعَدُّ قادحاً في الحديث لأن العلاء ثقة ، وقد أخرج له مسلم في صحيحه عدة أحاديث عن أبيه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وكثير من السنن تفرد بها ثقاتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبلتها الأمة وعملت بها . . ثم قال :
وَأَمَّا ظَنُّ مُعَارَضَته بِالأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى صِيَام شَعْبَان , فَلا مُعَارَضَة بَيْنهمَا , وَإِنَّ تِلْكَ الأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى صَوْم نِصْفه مَعَ مَا قَبْله , وَعَلَى الصَّوْم الْمُعْتَاد فِي النِّصْف الثَّانِي , وَحَدِيث الْعَلاء يَدُلّ عَلَى الْمَنْع مِنْ تَعَمُّد الصَّوْم بَعْد النِّصْف , لا لِعَادَةٍ , وَلا مُضَافًا إِلَى مَا قَبْله اهـ

*وسُئِلَ الشيخُ ابنُ بازٍ رحمه الله عن حديث النهي عن الصيام بعد نصف شعبان فقال :
هو حديث صحيح كما قال الأخ العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني ، والمراد به النهي عن ابتداء الصوم بعد النصف ، أما من صام أكثر الشهر أو الشهر كله فقد أصاب السنة اهـ مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (15/385) .
هنا
ويؤيـد هـذا الأحاديـث الصحيحـة :
كحديـث عائشـة :
ـ عـن عائشـة ـ رضي الله عنها ـ قالـت :
" كـان رسـولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصـومُ
حتـى نقـولَ لا يفطـرُ ، ويفطـر حتـى نقـولَ لا يصـوم ،ومـا رأيـتُ رســولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ اسـتكمل صيـامَ شـهرٍ قـطّ إلا شـهرَ رمضـانَ ، ومارأيتُـهُ فـي شـهرٍ أكثـرَ صيامـًا منـه فـي شـعبان " .
رواه البخاري ومسلم وأبو داود . صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 /( 1 ) ـ كتاب : الصوم / ( 8 ) ـ باب ـ : الترغيب في صوم شعبان / حديث رقم : 1024 / ص : 595 .
وكحديـث أبـي هريـرة :
ـ عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ عـن النبـي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال :
" لا يتقدَّمَـنَّ أحدُكـم رمضـان بصـومِ يـومٍ أو يوميـن إلا أن يكـونَ رجـلٌ كـان يصـوم صَوْمَـه فليصـم ذلـك اليـوم " .
صحيح البخاري . متون / ( 3 ) ـ كتاب : الصوم / ( 14 ) ـباب : لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين / حديث رقم : 1914 / ص : 216 .
ففيـه النهـي عـن صـوم يـوم أو يوميـن فقـط فـي آخـر شـعبان ، إلا أن يكـون صومـًا اعتـاده فـلا بـأس .
وكحديـث أم سـلمة :
ـ عـن أم سـلمة ـ رضي الله عنها ـ قالـت :" مـا رأيـتُ رسـولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصـوم شـهرين متتابعيـن إلا شـعبان ورمضـان " .
رواه الترمذي . وصححه الشيخ الألباني ـ رحمه
الله ـ في صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 /( 9 ) ـ كتاب : الصوم / ( 8 ) ـ باب ـ : الترغيب في صوم شعبان / حديث رقم : 1025 / ص : 596 .


*النهـي عـن صيـام يـوم الشـك
عن صلـة بـن زُفَـر قـال : كنـا عنـد عمـار بـن ياسـر
[ فـي اليـوم الـذي يُشَـك فيـه ] (1) فأتـى بشـاة مَصلِيـة فقـال : كلـوا ، فتنحـى بعـض القـوم ، فقـال : إنـي صائـم . فقـال عمـار : مـن صـام اليـوم الـذي شُـكَّ فيـه ،

فقـد عصـى أبـا القاسـم .
صحيح سنن الترمذي / ج : 1 / كتاب : الصوم / ( 3 ) ـ باب :كراهة صوم يوم الشك / حديث رقم : 553 / ص : 210 .
( 1 ) ما بيـن الحاصرتين [ ] زيادة مـن هامـش المخطوطـة : 94 / 1 ، ووافقـت روايـة " صحيـح ابـن ماجـه " : 1 / 275 .
ـ عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ عـن النبـي ـ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم
ـ قـال : " لا يتقدَّمَـنَّ أحدُكـم رمضـان بصـومِ يـومٍ أو يوميـن إلا أن يكـونَ رجـلٌ كان يصـوم صَوْمَـه
فليصـم ذلـك اليـوم
"
.
صحيح البخاري . متون / ( 3 ) ـ كتاب : الصوم / ( 14 ) ـ باب : لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين / حديث رقم : 1914 / ص : 216 .
* يـوم الشـك : هـو يـوم 30 شـعبان ( فقـد يكـون
متممـًا لشـعبان أو أول رمضـان ) .

* إذا صـادف يـوم الشـك عـادة ( صيـام إثنيـن وخميـس أو صـوم يـوم وفطـر يـوم ) ، فـلا حـرج فـي صيامـه .
ونستأنس بهذه الفتوى للشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
حكم صيام يوم الشك إذا وافق عادة أو صوماً واجباً
السؤال: إذا وافق يوم الشك يوماً فيه صيام فما حكم صيامه؟
الجواب: إذا وافق يوم الشك اليوم الذي فيه صيام، لا على أنه صيام يوم الشك، فلا بأس بصيامه،كأن صادف يوم الإثنين يوم الشك، وعادته أنه يصوم الإثنين، فلا بأس بأن يصوم، أما أن يصومه على أنه من باب الاحتياط لرمضان فهذا ممنوع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمهوكذلك إذا صام أياماً من رمضان الماضي أو أيام نذرأو كفارة. وفي حديث للعلاء بن عبد الرحمن :(إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، فمن العلماء من صححه ومنهم من ضعفه، والمراد به النهي عن الصيام بعد النصف إذا لم يكن له عادة، ولم يكن صام من أول الشهر، أما إذا صام من أول الشهر واستمر فلا بأس بذلك.

o
الخلاصـــة :
ـــــــــ
للجمـع بيـن هـذه الروايـات : فالحكـم هـو :
النهـي عـن تقـدم رمضـان بصـوم بعـد نصـف شـعبان
إلا لمـن وصلـه بمـا قبلـه ـ أي وصـل النصـف الثانـي
مـن شـعبان بالنصـف الأول منـه ـ أو وافـق عـادة
لـه بـأن كـان عادتـه صـوم الإثنيـن والخميـس فوافقـه .

رياض الصالحين / تحقيق الشيخ الألباني / ( 8 ) ـ كتاب : الفضائل /( 219 ) ـ باب : النهي عن تقدم رمضان بصومبعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادة له بأن كانعادته صوم الإثنين والخميس فوافقه / ص : 412 .


****************

مســائل تتعلــق بصيــام التطــوع


1 ـ النيـــة :


ذهـب الجمهـور إلـى جـواز إنشـاء نيـة صيـام التطـوع أثنـاء النهـار ، لمـن لـم يـأتِ بمـا ينافـي الصـوم مـن أكـل وشـرب و ..... ، وأراد أن يصـوم ، وأنـه لا يشـترط تبييتهـا مـن الليـل كصيـام الفـرض .
فعـن عائشـة أم المؤمنيـن قالـت : دخـل علـيَّ النبـيُّ ـ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم ـ ذات يـوم فقـال :
" هـل عندكـم شـيء ؟ " . فقلنـا : لا . قـال : " فإنـي إذن صائـم " .

صحيح مسلم / ( 13 ) ـ كتاب : الصيام / ( 32 ) ـ باب : جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال ... / حديث رقم : 170 ـ ( 1154 ) / ص : 276 .
2 ـ المتطــوع أميـر نفســِه :
المتطـوع أميـر نفسـه إن شـاء أتـم صومـه ، وإن شـاء
أفطـر
ولا قضـاء عليـه .
ـ عـن أم هانـئ قالـت : كنـتُ قاعـدة عنـد النبـي ـ صلى
الله عليه
وسلم ـ فأُتِـيَ بشـراب ، فَشَـرب منـه ، ثـم
ناولنـي فشـربت
منه فقلـتُ : إنـي أذنبـتُ فاسـتغفر لـي .
قـال صلـى الله عليـه
وعلـى آله وسـلم : " ومـا ذاك ؟ " .
قالـت : كنـتُ صائمـة فأفطـرتُ .
فقـال صلـى الله عليـه وعلـى آله وسـلم :" أَمِـنْ قضـاء كنـتِ تَقْضِينـَهُ ؟ " .
قالـت : لا . قـال صلـى الله عليـه وعلـى آله
وسـلم : " فـلا يَضُـرُّكِ " .

صحيح سنن الترمذي / ج : 1 / أبواب : الصوم / ( 34 ) ـ باب :إفطار الصائم المتطوع / حديث رقم : 584 ـ 734 / ص : 223 .
ـ عـن شـعبة أنـه قـال : كنـتُ أسـمعُ سِـمَاكَ بـن حـرب يقـول : أحـد بنـي أمِّ هانـئ حدثنـي ، فلقيـت أنـا أفضلهـم ،وكـان اسـمه : جَعْـدَة ، وكانـت أم هانـئ جَدَّتـه ،فحدثنـي عـن جدتـه : أن رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ دخـل عليهـا ،فدعـا بشـراب فشـرب ، ثـم ناولهـا فشـربت ،فقالـت : يـا رسـول الله ، أما إنـي كنـتُ صائمـة ، فقـال رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
" الصائـمُ
المتطـوع أميـن نفسِـهِ ، إن شـاء صـامَ ، وإن شـاء أفْطَـر " .
صحيح سنن الترمذي / ج : 1 / أبواب : الصوم / ( 34 ) ـ باب : إفطار الصائم المتطوع / حديث رقم : 585 ـ 735 / ص : 223 .
ـ عـن عائشـة أم المؤمنيـن قالـت :كـان النبـي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يأتينـي فيقــول : " أَعِنْـدَكِ غــدَاء ؟ " . فأقــول : لا . فيقـول :" إنـي صائـم " .
قالـت : فأتانـي يومـًا فقلـت : يـا رسـول الله ، إنـه قـد أُهديـت لنـا هديـة . قـال : " وما هِـيَ ؟ " . قلـت : حَيْـسٌ (1) . قـال : " أمـا إنِّـي أصبحـتُ صائمـًا " . قالـت : ثـم أكـل .
صحيح سنن الترمذي / ج : 1 / أبواب : الصيام / ( 34 ) ـ باب : إفطارالصائم المتطوع / حديث رقم : 587 ـ 737 / ص : 224 .
( 1 ) الحَيْـس : هـو التمر مع السـمن والأقـط .

3 ـ أَكْــل الناسـي وشـربه لا يُفْطِــر :
مـن أكـل أو شـرب ناسـيًا ، فإنـه يتـم صومـه ولا قضـاء عليـه ، ويسـتوي في ذلـك الفـرض والنفـل لعمـوم الأدلـة عنـد الجمهـور .
عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ قـال : قـال رسـول
الله ـ
صلى الله عليه
وعلى آله وسلم ـ :
" مـن نسـي وهـو صائـمٌ ، فَأَكَـلَ أو شَـرِبَ ، فَلْيُتِـمَّ صَوْمَـهُ . فإنمـا أطعمـه اللهُ وسَـقَاهُ " .
رواه مسلم / ج : 8 / ( 13 ) ـ كتاب : الصيام / ( 33 ) ـ باب : أكل الناسي وشربه ... /حديث رقم : 171 ـ ( 1155 ) / ص : 51 . مؤسسة قرطبة .
4 ـ اسـتئذان الــزوج :
لا يجـوز للمـرأة أن تصـوم صيـام تطـوع فـي حضـور
زوجهـا
بغيـر إذنـه .
عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ قـال : قـال رسـول
الله ـ
صلى الله
عليه وعلى آله وسلم ـ :
" لا تَصُـمِ المـرأةُ وبعلُهَـا شـاهدٌ إلا بإذنِـهِ ..... " .
صحيح مسلم / ج : 7 / ( 12 ) ـ كتاب : الزكاة / ( 26 ) ـ باب : ما أنفق العبد من مال مولاه / حديث رقم : 84 ـ ( 1026 ) / ص : 159 .
قـال النـووي فـي شـرح الحديـث :
" هـذا محمـول علـى صـوم التطـوع والمنـدوب الـذي ليـس له زمـن معيـن ، وهـذا النهـي للتحريـم صـرح بـه أصحابنـا
وسـببه : أن الـزوج لـه حـق الاسـتمتاع بهـا في كـل الأيـام ، وحقـه فيـه واجـب علـى الفـور فـلا  يفوتـه بتطـوع ولا بواجـب علـى التراخـي " ا . هـ .
" وهـذا للـزوج المقيـم فـي البلـد ( وزوجهـا شـاهد ) ،
أمـا إذا كـان مسـافرًا فلهـا الصـوم " . ا . هـ . بتصرف .
5 ـ جـواز التطـوع قبـل قضـاء رمضـان :
قضـاء الفـوات مـن رمضـان ـ بعـذر شـرعي ـ لا يجـب علـى الفـور ، وإنمـا وجوبـه علـى التراخـي وجوبـًا مُوسَّـعًا .
فعـن عائشـة ـ رضي الله عنها ـ قالـتْ : إن كانـتْ إحدانـا لَتُفْطِـرُ زمـانِ رسـولِ اللهِ ـ صلى الله عليه  وعلى آله وسلم ـ . فمـا تقـدِرُ علـى أن تقضِيَـهُ مـع رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ حتـى يأتِـيَ شـعبانُ .
صحيح مسلم / ج : 8 / ( 13 ) ـ كتاب : الصيام / ( 26 ) ـ باب
قضاء رمضان في شعبان / حديث رقم : 1146 / ص : 32 .
قـال الحافـظ فـي الفتـح ( 4 / 191 ) :
" وفـي الحديـث دلالـة علـى جـواز تأخيـر قضـاء رمضـان ( 1 ) ..... " . ا . هـ .
لكـن يسـتحب المبـادرة بالقضـاء ، لعمـوم قولـه تعالـى :
" أولئـك يسـارعون فـي الخيـرات وهـم لهـا سـابقون "
صحيح فقه السنة ... / ص : 129 .

إذا أُخِّـرَ القضـاء حتـى دخـل رمضـان الـذي بعـده ، فإنهـا تصـوم رمضـان الـذي ورد عليهـا ـ كمـا أُمِـرت ـ فـإذا أفطـرت فـي شـوال قضـت  الأيـام التـي كانـت عليهـا فقـط ولا مزيـد علـى هـذا ،فـلا يجـب إطعـام ولا غيـره ، لعـدم ثبـوت شـيء مرفـوع إلـى النبـي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ فـي ذلـك ولا يجـب التتابـع فـي القضـاء .
صحيح فقه السنة ... / ص : 129 .

فمذهـب جماهيـر السـلف والخلـف : جـواز تأخيـر  قضـاء رمضـان لمن أفطـر بعـذر مطلقـًا .
ثـم اختلفـوا فـي جـواز التطــوع قبـل قضـاء رمضـان .
ولا يصـح دليـل فـي المنــع مـن صيـام التطـوع قبـل القضـاء ، بـل يـدل علـى الجـواز ، أن الله سـبحانه أطلـق القضـاء بقولـه تعالـى :
{ ... فَعِـدَّةٌ مِّـنْ أَيَّـامٍ أُخَـرَ ... } .سورة البقرة / آية : 185 .
ثـم إن القضـاء واجـب يتعلـق بوقـتٍ مُوَسَّـعٍ ،فجـاز التطـوع فـي وقتـه قبـل فعلـه كالصـلاة يُتطـوع فـي أول وقتهـا والله أعلـم .
صحيح فقه السنة ... / ص : 141 .

********************* 

تحويــــل القِبلـــة
القِبْلـَــة :
 
هـي الجهـة التـي يولِّـي الإنسـان وجهـه شـطرها فـي صلاتـه أو فـي أثنـاء العبـادة .
وعـن قبلـة الأنبيـاء السـابقين ، يقـول الشـيخ" أبـو الوفـاء درويـش " فـي كتابـه " القبلـة " :
" ليـس لدينـا نصـوص صحيحـة نعـرف منهـا أيـن
كانـت القبلـة التـي كـان آدم وذريتـه ، ونـوح ومـن معـه ، يولُّـون وجوهَهُـم شـطرها .

أمـا عـن قبلـة إبراهيـم عليـه السـلام : ليـس لدينـا
نصـوص تدلنـا علـى القبلـة التـي كـان يتجـه إليهـا
إبراهيـم عليـه السـلام قبـل أن يرفـع القواعـد مـن البيـت .

وأمـا بعـد أن بَنَـى البيـتَ الحـرامَ المبـارك ببكـة ،
فلاشـك أن البيـت كـان قبلتـه وقبلـة " إسـماعيل "
عليهما السـلام ، وقبلـة العـرب بعـد ذلـك " .

* واختلـف العلمـاء فـي تحديـد الجهـة التـي كـان
النبـي يتوجـه إليهـا عنـد صلاتـه بمكـة
.
ورجـح ابـن حجـر العسـقلاني فـي فتـح البـاري /
المجلـد الأول / ص : 119 / قـول ابـن عبـاس الآتـي :
فقـال ابـن عبـاس وغيـره : كـان صلـى الله عليـه وعلـى
آله وسـلم يصلـي إلـى بيـت المقـدس ، لكنـه لا يسـتدبر الكعبـة ، بـل يجعلهـا بينـه وبيـن بيـت المقـدس .
قـال العسـقلاني : وقـد صححـه الحاكـم وغيـره .
* وورد فـي كتـاب صفـة صـلاة النبـي للشـيخ محمد
ناصر الدين الألبانـي رحمه الله / ص : 76 :


" كـان صلـى الله عليـه وعلـى آله وسـلم يصلـي
نحـو بيـت المقـدس ـ والكعبـة بيـن يديـه ـ
قبـل أن تنـزل هـذه الآيـة :

{ قَـدْ نَـرَى تَقَلُّـبَ وَجْهِـكَ فِـي السَّـمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّـكَ
قِبْلَـةً تَرْضَاهَـا فَـوَلِّ وَجْهَـكَ شَـطْرَ الْمَسْـجِدِ الْحَـرَامِ
... } .
سورة البقرة / آية : 144 .
فلمـا نزلـت اسـتقبلَ الكعبـة ، فبينمـا النـاس بقبـاء
فـي صـلاة الصبـح ؛ إذ جاءهـم آتٍ فقـال :
إن رســول الله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ قـد أُنــزل عليـه الليلـة قــرآن ، وقـد أُمِـرَ أن يسـتقبل الكعبـة ، [ ألا ] فاسـتقبلوها . وكانـت وجوههـم إلـى الشـام ،فاسـتداروا ، [ واسـتدار إمامهـم حتـى اسـتقبل بهـم
بينمـا النـاس فـي صـلاة الصبـح بِقُبَـاء إذ جاءهـم آتٍ فقـال : إنَّ رســولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـد أُنـزِلَ عليـه الليلـةَ . وقـد أُمـر يسـتقبل الكعبـة فاسـتقبِلوها . وكانـت وجوههـم إلـى الشـام فاسـتداروا إلـى الكعبـة . القبلـة ] " .

* فعـن ابـن عمـر ، قـال :
صحيح مسلم . متون / ( 5 ) ـ كتاب : المساجد ومواضع الصلاة / ( 2 ) ـ باب : تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة / حديث رقم : 13 ـ ( 526 ) / ص : 128 .

تحويــل القِبْلَــة :
اقتضـت حكمـة الله عـز وجـل أن يبعـث علـى النـاس
فـي عهـد النبـوة بيـن الفينـة والفينـة ريـحَ فتنـة

يبتلـي بهـا النفـوس ؛ ليظهـرَ الصـادقَ فـي إيمانـه ،
الـذي لا تزلزلـه الفتـن ، ولا تنـال منـه الزعـازع ،

مـن المنافـق الـذي لا يلبـث أن يتكشـف ما فـي نفسـه مـن ظلمـات الشـكوك ، وعوامـل الهزيمـة فيـذوب
فـي الفتنـة كمـا يـذوب الملـح فـي المـاء .
فكـان تحويـل القبلـة من هـذه الابتـلاءات الكبـرى التـي
أراد الله بها هـز المجتمـع الإسـلامي لتتسـاقط عـن شـجرته المباركـة الأوراق اليابسـة والثمـرات العفنـة ، ولا يبقـى إلا القـوي الجيـد الـذي له من صلابـةالإيمـان وقوة اليقيـن ونـور البصيـرة ما يَـرُد عنـه مضـلات الفتـن وينجيـه مـن بوائِقِهـا .
* فعـن البـراء بـن عـازبٍ أن النبـي ـ صلى الله عليه
وسلم
ـ كـان أولَ مـا قَـدِمَ المدينـةَ نـزل علـى
أجـداده أو قـال : أخوالـهِ مـن الأنصـار ، وأنـه صلـى
قِبـلَ بيـت المقـدسِ سـتة عَشَـرَ شـهرًا ، أو سـبعة
عشـرَ شـهرًا ، وكـان يعجبـه أن تكـون قبلتـه قِبـلَ
البيـتِ ، وأنـه صلـى أول صـلاةٍ صلاهـا صـلاة
العصـر ، وصلـى معـه قـوم ، فخـرج رجـل ممـن صلـى
معـه فمـر علـى أهـل مسـجد وهـم راكعـون فقـال :
أشـهد بالله لقـد صليـتُ مـع رسـول الله ـ
صلى الله
عليه وعلى آله
وسلم ـ قِبَـلَ مكـةَ ، فـداروا كمـا هـم قِبَـلَ
البيـتِ وكانـت اليهـودُ قـد أعجبهـم إذ كـان يصلـي قِبَـلَ
بيـتِ المقـدسِ وأهـلُ الكتـابِ . فلمـا ولـى وجهـه قِبَـلَ
البيـتِ أنكـروا ذلـك .


صحيح البخاري . متون / ( 2 ) ـ كتاب : الإيمان / ( 30 ) ـ باب :الصلاة من الإيمان ... / حديث رقم : 40 / ص : 15 .

ولمـا كـان شـأن ذلـك التحويـل عظيمـًا حيـث
اتخـذ منه أعـداء الإسـلام فرصـة للطعـن وإثـارة
الشـكوك ، كقولهـم : إن كانـت القبلـة الأولـى حقـًا ،
فقـد تركهـا ، وإن كانـت الثانيـة هـي الحـق ،
فقـد كـان علـى باطـل .


وكقولهـم : إن محمـدًا مضطـرب فـي أمـره ، ينقــض
اليــوم مـا أبـرم بالأمـس ، يصلـي كـل يــوم

إلـى قبلـة . إلـى غيـر ذلـك مـن العبـارات التـي
كانـوا يريـدون بهـا بلبلـة الأفكـار والتأثيـر
علـى ضعفـاء الإيمـان مـن المسـلمين ، وقـد بلغـوا
مـن ذلـك بعـض ما أرادوا ، فارتـد النـاس مـن ضعفـة
الإيمـان عـن دينهـم .

ونظـرًا لمـا صاحـب أمـر التحويـل مـن الإرجـاف
والطعـن ، فقـد نزلـت قبلـه آيـات كثيـرة تتحـدث عـن
النسـخ الـذي كـان اليهـود ينكرونـه .

{ مَـا نَنسَـخْ مِـنْ آيَـةٍ أَوْ نُنسِـهَا نَـأْتِ بِخَيْـرٍ مِّنْهَـا
أَوْ مِثْلِهَـا أَلَـمْ تَعْلَـمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قدِيـرٌ
} .
سورة البقرة / آية : 106 .


كمـا تحدثـت ـ الآيـات ـ عـن رغبـة أهـل الكتـاب
فـي أن يـردوا المؤمنيـن كفـارًا مثلهـم مـن بعـد مـا تبيـن لهـم الحـق ، قـال تعالـى :

{ وَدُّواْ لَـوْ تَكْفُـرُونَ كَمَـا كَفَـرُواْ فَتَكُونُـونَ سَـوَاء ... } .
سورة النساء / آية : 89 .


* ثـم ذكـرت الآيـات بعـد ذلـك أن اليهـود والنصـارى
يختلف بعضهـم علـى بعـض ويشـهدون بعضهـم
علـى بعـض بأنهـم ليسـوا علـى شـيء وهـم يتلـون
الكتـاب ، قـال تعالـى :

{ وَقَالَـتِ الْيَهُـودُ لَيْسَـتِ النَّصَـارَى عَلَـىَ شَـيْءٍ
وَقَالَـتِ النَّصَـارَى لَيْسَـتِ الْيَهُـودُ عَلَـى شَـيْءٍ
وَهُـمْ يَتْلُـونَ الْكِتَـابَ .
.. } .
سورة البقرة / آية : 113 .


* وإنـه مـن تمـام النعمـة على الأمـة التي تعـد
شـريعتها متصلـة بشـريعة إبراهيـم ـ
عليه السلام
ومجـددة لهـا أن تكـون قبلتهـا هـي قبلـة إبراهيـم
ـ
عليه السلام ـ لتتـم لهـا الهدايـة والنعمـة .

فقـد ذكــر سـبحانه مـا قــام بـه " إبراهيـم " مـن
رفـع قـواعـد البيــت الحـرام بمعونـة ولــده

" إسـماعيل " عليهمـا السـلام ودعائهمـا بعـد الفـراغ
مـن ذلـك بـأن يتقبـل الله عملهمـا ، وأن يجعـل
ذريتهمـا أمـة مسـلمة لـه سـبحانه وأن يريهمـا
مناسـكهما ويتـوب عليهمـا ، وأن يبعـث فـي هـذه
الأمـة المسـلمة رسـولاً منهـا يتلـو عليهـم آيـات الله ،
ويزكيهـم ، ويعلمهـم الكتـاب والحكمـة قـال تعالـى :

{ وَإِذْ يَرْفَـعُ إِبْرَاهِيـمُ الْقَوَاعِـدَ مِـنَ الْبَيْـتِ وَإِسْـمَاعِيلُ رَبَّنَـا تَقَبَّـلْ مِنَّـا إِنَّـكَ أَنـتَ السَّـمِيعُ الْعَلِيـمُ * رَبَّنَـا وَاجْعَلْنَـا مُسْـلِمَيْنِ لَـكَ وَمِـن ذُرِّيَّتِنَـا أُمَّـةً مُّسْـلِمَةً لَّـكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَـا إِنَّـكَ أَنـتَ التّـَوَّابُ الرَّحِيـمُ * رَبَّنَـا وَابْعَـثْ فِيهِـمْ رَسُـولاً مِّنْهُـمْ يَتْلُـو عَلَيْهِـمْ آيَاتِـكَ وَيُعَلِّمُهُـمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَـةَ وَيُزَكِّيهِـمْ إِنَّـكَ أَنـتَ العَزِيـزُ الحَكِيـمُ }. سورةالبقرة / آية : 127 : 129


* ثـم أخبـر أن ملـة إبراهيـم وهـي الإسـلام الـذي
يقـوم علـى التوحيـد الخالـص مـن كـل شـائبة ،
لا يرغـب عنهـا إلا كـل سـفيه أحمـق ، وأن إبراهيـم
وصـى بهـا بنيـه ، وكذلـك يعقـوب عليهمـا السـلام
قـال تعالـى :

{ وَمَـن يَرْغَـبُ عَـن مِّلَّـةِ إِبْرَاهِيـمَ إِلاَّ مَـن سَـفِهَ نَفْسَـهُ
وَلَقَـدِ اصْطَفَيْنَـاهُ فِـي الدُّنْيَـا وَإِنَّـهُ فِـي الآخِـرَةِ لَمِـنَ
الصَّالِحِيـنَ * إِذْ قَـالَ لَـهُ رَبُّـهُ أَسْـلِمْ قَـالَ أَسْـلَمْتُ
لِـرَبِّ الْعَالَمِيـنَ * وَوَصَّـى بِهَـا إِبْرَاهِيـمُ بَنِيـهِ
وَيَعْقُـوبُ يَـا بَنِـيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَـى لَكُـمُ الدِّيـنَ فَـلاَ
تَمُوتُـنَّ إَلاَّ وَأَنتُـم مُّسْـلِمُونَ * أَمْ كُنتُـمْ شُـهَدَاء إِذْ
حَضَـرَ يَعْقُـوبَ الْمَـوْتُ إِذْ قَـالَ لِبَنِيـهِ مَـا تَعْبُـدُونَ
مِـن بَعْـدِي قَالُـواْ نَعْبُـدُ إِلَهَـكَ وَإِلَهَ آبَائِـكَ إِبْرَاهِيـمَ
وَإِسْـمَاعِيلَ وَإِسْـحَاقَ إِلَهـاً وَاحِـداً وَنَحْنُ لَـهُ مُسْـلِمُونَ
} .
سورة البقرة / آية : 130 : 133 .


* وإنـه لمـن تمـام النعمـة علـى الأمـة التـي تعـد
شـريعتها متصلـة بشـريعة إبراهيـم عليـه السـلام ،
ومجـددة لهـا أن تكـون قبلتهـا هـي قبلـة إبراهيـم لتتـم بهـا الهدايـة والنعمـة ، تحقيقـًا لقـول الله تبـارك وتعالـى :

{ ... وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَيْكُـمْ وَلَعَلَّكُـمْ تَهْتَـدُونَ } .
سورة البقرة / آية : 150 .


* فمـن تمـام النعمـة التوجـه لقبلـة إبراهيـم ـ عليه السلام ـ .
قـال تعالـى : { وَمِـنْ حَيْـثُ خَرَجْـتَ فَـوَلِّ وَجْهَـكَ شَـطْرَ الْمَسْـجِدِ الْحَـرَامِ وَحَيْـثُ مَـا كُنتُـمْ فَوَلُّـواْ وُجُوهَكُـمْ شَـطْرَهُ لِئَـلاَّ يَكُـونَ لِلنَّـاسِ عَلَيْكُـمْ حُجَّـةٌ إِلاَّ الَّذِيـنَ ظَلَمُـواْ مِنْهُـمْ فَلاَ تَخْشَـوْهُمْ وَاخْشَـوْنِي وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَيْكُـمْ وَلَعَلَّكُـمْ تَهْتَـدُونَ } .
سورة البقرة / آية : 150 .
* ثـم أمرهـم بمـا لا يتـم كـل ذلـك إلا بـه ، وهـو
الاسـتعانة بالصبـر والصـلاة ، وأخبرهـم أنـه مـع
الصابريـن ، قـال تعالـى
:

{ يَـا أَيُّهَـا الَّذِيـنَ آمَنُـواْ اسْـتَعِينُواْ بِالصَّبْـرِ وَالصَّـلاَةِ
إِنَّ اللهَ مَـعَ الصَّابِرِيـنَ }
.

سورة البقرة / آية : 153 .

ولنرجـع إلـى شـرح بقيـة الحديـث مـن قـول البـراء بـن
عـازب ـ
رضي الله عنه ـ :

" فصلـى مـع النبـي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ
رجـل ولـم يعـرف اسـم ذلـك الرجـل ، ولا القـوم الذيـن
مـر بهـم وهـم يصلـون فـي مسـجدهم ، ولكنهـم علـى
كـل حـال ليسـوا أهـل قبـاء ، فـإن أهـل قبـاء لـم يعلمـوا
بتحويـل القبلـة إلا فـي صـلاة الصبـح .


كمـا جـاء فـي حديـث ابـن عمـر : بينمـا النـاس فـي صـلاة الصبـح بِقُبَـاء إذ جاءهـم آتٍ فقـال :إنَّ رســولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قـد أُنـزِلَ عليـه الليلـةَ . وقـد أُمـر أن يسـتقبل الكعبـة فاسـتقبِلوها  وكانـت وجوههـم إلـى الشـام فاسـتداروا إلـى الكعبـة .
صحيح مسلم . متون / ( 5 ) ـ كتاب : المساجد ومواضع الصلاة / ( 2 ) ـ باب :تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة / حديث رقم :

13 ـ ( 526 ) / ص : 128 .

* وقـد اختلـف فـي أول صـلاة صلاهـا رسـول الله ـ صلى
الله عليه وعلى آله وسلم
ـ إلـى الكعبـة بعـد التحويـل ،
فحديـث " البـراء بـن عـازب " هنـا يفيـد أنهـا صـلاة العصـر .


* وَرُوِيَ عـن ابـن سـعيد بـن المعلـى أنهـا صـلاة
الظهـر ، وأنـه هـو وصاحـب لـه كانـا أول مـن صلـى
مـع النبـي ـ
صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ
إلـى القبلـة الجديـدة .


وَرُوِيَ كذلـك أن الأمـر بالتحويـل نـزل بعـد مـا
صلـى النبـي ـ
صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ
ركعتيـن مـن الظهـر ، فاسـتدار فـي الصـلاة ،
وكـان ذلـك فـي مسـجد بني سـلمة ، فسـمي
المسـجد " ذا القبلتيـن " .


* ويؤخـذ مـن حديـث البـراء بـن عـازب جملـة مـن
الأحكـام الأصوليـة والفرعيـة ، ذكرهـا العلامـة
ابـن دقيـق العيـد فـي شـرحه علـى عمـدة الأحكـام
عنـد الكـلام علـى حديـث ابـن عمـر المتقـدم ، ونحـن
نجملهـا فيمـا يأتـي :

1ـ قبـول خبـر الواحـد ، وعـادة الصحابـة فـي ذلـك اعتـداد بعضهـم بنقــل بعـض ، وورد عنهـم
فـي ذلـك مـا لا يُحصـى ، ومعنـى ذلـك أن خبـر الواحـد العــدل ، يفيـد العلـم بمضمونـه ويجـب
العمـل بـه ، خلافـًا للمتكلميـن مـن المعتزلـة وغيرهـم .

2 ـ جـواز نسـخ السـنة بالكتـاب ، فإنمـا الصـلاة إلـى بيـت المقـدس إنمـا كانـت بالسـنة ، إذ لا نـص
فـي القـرآن علـى ذلـك ، وتحويـل القبلـة إلـى الكعبـة إنمـا كـان بالكتـاب .
3 ـ دلَّ الحديـثُ علـى أن حكــم " الناسـخ " لا يثبـت
فـي حـق المكلـف قبـل بلـوغ الخطــاب لـه ،

فإنهـم بنـوا ـ صلاتهـم ـ علـى ما فعلـوه مـن الصــلاة
جهـة بيـت المقـدس ، ولـو ثبـت الحكـم

فـي حقهـم قبـل بلـوغ الخبـر إليهـم ؛ لكانـت صلاتهـم
إلى بيـت المقـدس باطلـة ، فـلا يجـوز البنـاء

عليهـا ، بل كـان يجـب اسـتئنافها
( أي : إعادتهـا من جديـد ) .

4 ـ فيـه دليـل علـى جــواز تنبيـه مـن ليـس
فـي الصــلاة لمـن
هـو فيهـا ، وأن يَفْتَـح
عليـه
القـراءة .

5 ـ قـال الطحـاوي : فـي هـذا دليـل علـى أن مـن لم يعلـم بفـرض الله تعالـى ، ولـم تبلغـه الدعـوة ،
ولا أمكنـه اسـتعلام ذلـك مـن غيـره ، فالفـرض غيـر
لازم لـه ، والْحُجَّـة غيـر قائمـة عليـه .


تعقيـــب :
********
1 ـ نقـل الإمـام القرطبـي عـن أبـي حاتـم البسـتي قـال :
صلـى المسـلمون إلـى بيــت المقـدس سـبعة عشـر شـهرًا

أيـام ، وذلـك أن قـدومـه
صلـى الله عليـه وعلـى آله وسـلم المدينـة كـان يـوم الإثنيـن لاثنتـي عشـرة ليلـة ، خلـت مـن
شـهر ربيـع الأول ، وأمـره الله عــز وجــل باسـتقبال الكعبـة يـوم الثلاثـاء للنصـف الأول مـن
شـعبان

2ـ ويحكـي ابـن كثيـر فـي البدايـة والنهايـة ، وكذلـك فـي تفسـيره
أن ذلـك كـان فـي رجـب سـنة
اثنتيـن علـى رأس سـتة عشـر شـهرًا .
علـى أن الخـلاف فـي وقـت التحويـل لا يهمنـا بقـدر مـا يهمنـا مـا يفعلـه النـاس فـي المواسـم
بمـا طغـى علـى ما وقـع فيهـا مـن أحـداث هامـة مـن أمـر الإسـلام .
مجلة التوحيد العدد الخاص بشـعبان : 1414 هـ ، 1415 هـ