محرك بخثي للقرآن الكريم



بحث عن:

الجمعة، 7 أبريل، 2017

الشهر المبارك

 
 أبشركم بمن اشتقنا للقياه
قلوبنا تهفوا شوقًـًا ووجلاً شوقًـًا للقائه ووجلاً من تقصيرِنا وفواتِ الفرصة العظيمة نسأل الله أن يرزقنا إدراكه ونُبَشر به.

*كان النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يبشر أصحابَهُ بقدومِ شهر الخير
فعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
"أتاكُم رَمضانُ شَهرٌ مبارَك ، فرَضَ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ عليكُم صيامَه ، تُفَتَّحُ فيهِ أبوابُ السَّماءِ ، وتغَلَّقُ فيهِ أبوابُ الجحيمِ ، وتُغَلُّ فيهِ مَرَدَةُ الشَّياطينِ ، للَّهِ فيهِ ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شَهرٍ ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي-الصفحة أو الرقم: 2105 | خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر السنية .
عبادَ الله، مَن مِنَ المسلمين لا يعرِف فضلَ هذا الشهرِ وقدرَه، فهو خير الشهور ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، من صامه وقامه غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه، فيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألفِ شهر، وقد ثبت في الصحيحَين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
- "مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا ، غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ ، ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ"
الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 2014 | خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر السنية -
 في هذا الحديثِ بِشارةٌ عظيمةٌ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِمَن وُفِّق لصيام شهرِ رمَضانَ كلِّه عند القدرةِ عليه، (إيمانًا واحتسابًا)، المرادُ مَن صامه تصديقًا بالأمرِ به، عالِمًا بوجوبِه، خائفًا مِن عقابِ تركِه، محتسِبًا جزيلَ الأجرِ في صومِه، وهذه صفةُ المؤمِنِ؛ فمَن صام رمضانَ على الوجهِ المطلوبِ شرعًا مؤمِنًا بالله وبما فرَضه اللهُ عليه، ومحتسِبًا للثَّوابِ والأجِر مِن اللهِ- فإنَّ المَرْجُوَّ مِن اللهِ أن يغفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنوبِه. ثم يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فضلَ ليلةِ القدرِ، وأنَّ مَن أحيَا هذه اللَّيلةَ المبارَكةَ بالصَّلاةِ وتلاوةِ القرآنِ، غفَر اللهُ له ذنوبَه السَّابقةَ- غيرَ الحقوقِ الآدميَّةِ؛ لأنَّ الإجماعَ قائمٌ على أنَّها لا تسقُطُ إلَّا برِضاهم- على أنْ يفعَلَ ذلك "إيمانًا واحتسابًا"، أي: تصديقًا بفضلِ هذه اللَّيلةِ، وفضلِ العملِ فيها، وابتغاءً لوجهِ اللهِ في عبادتِه.
وقد وقَع الجزاءُ بصيغةِ الماضي (غُفِرَ) مع أنَّ المغفرةَ تكونُ في المستقبَلِ؛ للإشعارِ بأنَّه متيقَّنُ الوقوعِ، مُتحقِّقُ الثُّبوتِ، فضلًا مِن اللهِ تعالى على عبادِه.
وفي الحديثِ: الحثُّ على قيامِ رمضانَ، وفيه الحثُّ على الإخلاصِ، واحتسابِ الأعمالِ.
إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة ، وفضل كبير من الله تعالى ، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان .
فعن طلحة بن عبيدالله:- أنَّ رَجُلَيْنِ من بَلِيٍّ قَدِما على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكان إِسْلامُهُما جَمِيعًا فكانَ أحدُهُما أَشَدَّ اجْتِهادًا مِنَ الآخَرِ فَغَزَا المُجْتَهِدُ مِنْهُما فَاسْتُشْهِدَ ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بعدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ قال طلحةُ فَرأيْتُ في المنامِ بَيْنا أنا عندَ بابِ الجنةِ إذا أنا بِهما فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجنةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الآخِرَ مِنْهُما ثُمَّ خرجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ ثُمَّ رجعَ إِلَيَّ فقال ارْجِعْ فإنَّكَ لمْ يَأْنِ لكَ بَعْدُ فَأصبحَ طلحةُ يُحَدِّثُ بهِ الناسَ فَعَجِبُوا لِذلكَ فَبَلَغَ ذلكَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وحَدَّثُوهُ الحَدِيثَ فقال من أَيِّ ذلكَ تَعْجَبُونَ فَقَالوا يا رسولَ اللهِ هذا كان أَشَدَّ الرجلَيْنِ اجْتِهادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، ودخلَ هذا الآخِرُ الجنةَ قبلَهُ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَليسَ قد مَكَثَ هذا بعدَهُ سَنَةً قالوا بلى قال وأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصامَ وصلَّى كذا وكذا من سَجْدَةٍ في السَّنَةِ قالوا بلى قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فما بينَهُما أَبْعَدُ مِمَّا بين السَّماءِ والأرضِ

الراوي : طلحة بن عبيدالله | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح ابن ماجه-الصفحة أو الرقم: 3185 | خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر السنية -.
هلمُّوا لعملِ الآخرةِ وارسرعوا الخُطا 
"وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ".آل عمران (133).
 عن سعد بن أبي وقاص
- عن أبيه قال الأعمشُ راويه : ولا أعلُمه إلا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : التُؤْدَةُ في كلِّ شيءٍ ، إلا في عملِ الآخرةِ.
الراوي: سعد بن أبي وقاص المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4810 - خلاصة حكم المحدث: صحيح 
واحذروا 

صعدَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ المنبرَ فلمَّا رقيَ عتبةً قال : آمينَ . ثمَّ رَقِيَ أُخرَى ، فقال : آمينَ . ثمَّ رقيَ عتبةً ثالثةً ، فقال : آمينَ . . ثمَّ قال : أتاني جبريلُ فقال : يا محمَّدُ ! مَن أدركَ رمضانَ ، فلَم يُغْفَرْ لهُ ؛ فأبعدَهُ اللهُ ، فقلتُ : ( آمينَ ) . قال : ومَن أدركَ والدَيْهِ أو أحدَهُما ، فدخلَ النَّارَ ؛ فأبعدَهُ اللهُ ، فقلتُ : آمينَ . قال : ومَن ذُكِرْتَ عندَهُ ، فلَم يُصَلِّ عليكَ ؛ فأبعدَهُ اللهُ ، قلْ : آمينِ . . فقلتُ : ( آمينَ ) .
الراوي: مالك بن الحويرث المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 1678-خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره-الدرر السنية  .


أبشروا 
- إذا كانَت أوَّلُ ليلةٍ من رمَضانَ صُفِّدتِ الشَّياطينُ ومَردةُ الجِنِّ وغلِّقت أبَوابُ النَّارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ وفُتِحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ ونادى منادٍ يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر وللَّهِ عتقاءُ منَ النَّارِ وذلِك في كلِّ ليلةٍ
الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 1339خلاصة حكم المحدث: صحيح


((وينادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل)) أي أنك قد أقبلتَ واستقبلتَ موسما للخير موسما للطاعة فأَقبِل عليه إقبالًا شديدًا وأحرص عليه حرصًا عظيمًا وإياك ثم إياك أن تضيِّع على نفسك هذه الفرصة العظيمة ، فيا باغي الخير أقبل فهذا موسم رابِحٌ للخير وتجارته رابحة، وإذا ذهب لا يعود

و((ويا باغيَ الشَّرِّ أقصِر)) لا يليق بمن  يبتغي الشر أو تتحرك نفسه للشر أن يُتيح لها المجال أن تتمادى في شرها وأن تُسرِف في غيِّها وأن تستمر في ضلالها في هذا الموسم الكريم المبارك. 
  أوجب سبحانه علينا الصيام إيمانًا بفرضيته واحتسابًا في نيل الثواب والأجر من الله –تبارك وتعالى- .
احتسبْ كل لحظة من لحظات رمضان وكل وقت من أوقاته في نيل ثواب الله –تبارك وتعالى-.

الجمعة، 3 مارس، 2017

الزهد والمال

الزهــد والمـــال

ممـا لاشـك فيـه ، أن أهـم رمـز مـن رمـوز الدنيـا هـو " المـال " ، فهـو فـي نظـر النـاس الوسـيلة الأكيـدة لتحصيـل مـا يريـدون تحصيلـه مـن حاجـات أو ملـذات ، أو شـهوات ، ولقـد جُبلـت النفـوس علـى حبـه والشـح بـه .
قـال تعالـى " وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا " سورة الفجر / آية : 20 .
وعلـى عكـس الكثيـر مـن شـهوات الدنيـا ، فـإن شهوة المال لا تنطفئ أبدًا ، فكلما كثُرَ المالُ وتنامَى ازداد النَّهَمُ تجاهه ، كالنارِ كلما زِيدَ في وقودِهَا اشتدَّ اشتعالُهَا .
يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم " لو أنَّ لابنِ آدمَ مثلُ وادٍ مالًا لأحبَّ أن له إليه مثلَه ، ولا يملأُ عينَ ابنِ آدم إلَّا التُّرابُ ، ويتوبُ اللهُ على من تاب" . قال ابنُ عبَّاسٍ : فلا أدري من القرآنِ هو أم لا . قال : وسمِعتُ ابنَ الزُّبيرِ يقولُ ذلك على المنبرِ . الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 6437 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
الشرح

يُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم أنَّه لَو أنَّ لابنِ آدَمَ مِثلَ "وادٍ"، والوادي هو كلُّ مُنفَرِجٍ بَينَ جِبالٍ أو آكامٍ، وَهو مَنْفَذُ السَّيلِ. مالًا لأَحَبَّ أنَّ له إليه مِثْلَه، ولا يَملَأُ عَيْنَ ابنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ. وَيَتوبُ اللَّهُ على مَن تابَ، أي: يَقبَلُ تَوبةَ الحَريصِ، كَما يَقبَلُها مِن غَيرِهِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما: فَلا أدْري مِن القُرآنِ- المَنسوخِ تِلاوَتُه- هو، أي: الحَديثِ المَذكورِ، أم لا؟
وَسَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ يَقولُ ذلك على المِنْبَرِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَة.
في الحديثِ: ما يَدُلُّ على أنَّ الآدَميَّ لا يُشبِعُه كَثرَةُ المالِ، وأنَّهُ لا يَملَأُ بَطنَه إلَّا التُّرابُ.
وفيه: أنَّ الإكثارَ مِن المالِ لا يُقَلِّلُ مِن حِرصِ الآدَميِّ، وَلا يَهضِمُ مِن شَرَهِه.
وفيه: الحَذَرُ مِن الانشِغالِ بِالمالِ، والفِتنةِ بِالمالِ.
وفيه: أنَّ المُؤمِنَ يَنبَغي أن يَكونَ أكْبَرَ هَمِّهِ العَمَلُ لِلآخِرةِ، وألَّا يَشغَلَ بالدُّنيا وشَهَواتِها
.الدرر السنية .

ومن هنا تظهر قيمةُ الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ كعلاجٍ أكيدٍ لحبِّ الدنيا والتَّعَلُّق بها . فحين تنفق المالَ فإنك بذلك تطفئ شهوته داخلك ، وكلما أكثرت من الإنفاق وداومت عليه كلما تحررت من أسر الدنيا . ولكي ننتفع بهذا " الدواء " ، علينا بالمداومة على الإنفاق في سبيل الله بصورة يومية ، ولو بأقل القليل ، وإن بلغ شق تمرة، وكلما انشغل المسلم بشيء من الدنيا فليبادر بالإنفاق ، وكلما كثرت الهموم ، وازداد الخوف من الفقر والمستقبل المجهول فعلينا بالإنفاق
رسالة هلموا إلى ربكم / ص : 69 / بتصرف .

ـ عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ قـال : قـال رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ "
ما من يومٍ يصبحُ العبادُ فيه، إلا ملَكان ينزلان، فيقول أحدُهما : اللهم أعطِ مُنفقًا خلفًا، ويقول الآخرُ : اللهم أعطِ مُمسكًا تلفًا" . الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 1442| خلاصة حكم المحدث : صحيح| شرح الحديث - الدرر السنية .
شرح الحديث:

يُحبِّبُنا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّصدُّقِ والإنفاقِ في وجوهِ الخير، ويخبِرُنا بأنَّه ما مِن يومٍ إلى قيام الساعة إلَّا ويُنزِل اللهُ ملَكينِ، يدعو أحدُهما بأنْ يَعطيَ اللهُ للمُتصدِّقِ عِوضًا عمَّا أنفَقه وأعطاه، ويدعو الآخَرُ بأن يُعطيَ اللهُ للمُمسِك البخيلِ تلَفَ مالِه أو نفسِه، أو هلاكَه وضَياعَه.
في الحديثِ: الحضُّ على الإنفاقِ في الواجباتِ؛ كالنَّفقةِ على الأهلِ، وصِلةِ الرَّحِم، ويدخُلُ فيه صدقةُ التَّطوُّعِ والفرضِ.
وفيه: أنَّ المُمسِكَ يستحِقُّ تلَفَ مالِه.

ـ عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال :

" [h=5]- قال اللهُ عزَّ وجلَّ : أنفقْ أُنفقْ عليك ، وقال : يدُ اللهِ ملأى لا تغيضُها نفقةٌ ، سحَّاءُ الليلِ والنهارِ . وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماءَ والأرضَ فإنه لم يَغِضْ ما في يدِه ، وكان عرشُه على الماءِ ، وبيدِه الميزانُ يخفضُ ويرفعُ[/h] الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 4684 | خلاصة حكم المحدث : صحيح |الدرر السنية .

شرح الحديث


يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديثِ القُدسيِّ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقول: ((أَنفِقْ أُنفِقْ عليكَ، وقال: يَدُ اللهِ مَلأى))، أيْ: شديدة الامتِلاء بالخَير، ((لا تَغِيضُها))، أي: لا تَنقُصُها، ((نفَقةٌ، سَحَّاءُ اللَّيلِ والنَّهارِ))؟، "وسحَّاء"، أي: كثيرةُ العطاءِ، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أخبِروني ما أَنْفَق))، أي: الذي أنفَقَه منذُ خَلَق السَّماء والأرض؛ ((فإنَّه لم يَغِضْ))، أي: لم يَنقُصْ ما في يَدِه، ((وكان عَرْشُه على الماءِ، وبيدِه المِيزانُ: يَخْفِض)) مَن يَشاءُ، ((ويَرفَع)) مَن يَشاء، وأئمَّةُ السُّنَّةِ على وُجوبِ الإيمانِ بهذا الحديثِ وأشباهِه من غَيرِ تأويلٍ؛ بل يُمرُّونَه على ظاهرِه كما جاءَ، ولا يُقال: كيف.
في الحديث: الحَضُّ على الإنفاقِ فِي الواجباتِ كالنفقةِ على الأهلِ، وصِلةِ الرَّحمِ، ويَدخُل فيه أيضًا صَدقةُ التطوُّعِ، والوعدُ بإخلافِ اللهِ تعالى على المُنفِقِ.
وفيه: إثباتُ صِفةِ اليَدِ للهِ سبحانه على ما يَليقُ بكمالِه وجلالِه.
الدرر السنية .

ـ عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال " مـا مـن يـومٍ طلعـت شـمسُه إلا وكـان بجَنْبَتَيْهَـا مَلَكـان يناديـان نـداءً يسـمعه ما خلـق الله كلُّهـم غيـرُ الثقليـن : " يـا أيهـا النـاس هَلُمُّـوا إلـى ربكـم ؛ فـإن مـا قَـلَّ وكفـى ، خيـرٌ ممـا كَثُـرَ وألْهـى " .

رواه البيهقي من طريق الحاكم . وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب /ج : 1 / كتاب الصدقات / حديث رقم : 917 / ص : 547 .

ـ عـن أبـي سـعيد الخـدري ـ رضي الله عنه ـ عـن رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال : " مـا أُحـب أنَّ لـي أُحـدًا ذهبـًا ، أَبْقَـى صبـحَ ثالثـةٍ وعنـدي منـه شـيءٌ ، إلا شـيءٌ أُعِـدُّه لِدَيْـن " .

رواه البزار . وقال الشيخ الألباني رحمه الله صحيح لغيره . صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 /
كتاب : الصدقات / حديث رقم : 931 / ص : 554 .

ـ عـن ابـن مسـعود ـ رضي الله عنه ـ قـال : قـال رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ :
" أيكـم مـالُ وارِثـه أحـبُّ إليـه مـن مالـه ؟ " .
قالـوا : يـا رسـول الله ! مـا منَّـا أحـدٌ إلا مالُـه أحـبُّ إليـه مـن مـال وارثـه .
قـال صلى الله عليه وعلى آله وسـلم : " فـإنَّ مالَـه مـا قـدَّم (1) ، ومـالَ وارثـه ما أخَّـر (2) " .

رواه البخاري والنسائي . صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 / كتاب : الصدقات /
حديث رقم : 920 / ص : 548 .
( 1 ) مـا قـدم : أي مـا أنفقـه فـي سـبيل الله حـال حياتـه .
( 2 ) مـا أخـر : أي تركـه لورثتـه بعـد مماتـه .

ـ عـن طلحـة بـن يحيـى عـن جَدتـه سُعْـدى قالـت :
دخلـتُ يومـًا علـى طلحـة ـ تعنـي ابـن عبيـد الله ـ فرأيـتُ منه ثِقـلاً (1) ، فقلـتُ لـه : مالـك ؟ ! لعلـك رَابَـكَ (2) منا شـيء فَنُعْتِبَـكَ (3) ؟ قـال : لا ، وَلَنِعْـمَ حَليلـةُ المـرءِ المسـلمِ أنـتِ ، ولكـنْ اجتمـع عنـدي مـالٌ ، ولا أدري كيـف أصنـع بـه ؟
قالـت : ومـا يَغُمُّـكَ منـه ؟ ادع قومَـكَ ، فاقسـمه بينهـم .
فقـال : يا غـلام ! علـيَّ بقومـي .
فسـألتُ الخـازنَ : كـم قَسـمَ ؟ . قـال : أربعمائـة ألـف .

رواه الطبراني . وقال الشيخ الألباني حسن موقوف / صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 /
كتاب : الصدقات / حديث رقم : 925 / ص : 550 .

-11-
( 1 ) ثقـلاً : ثَقُـلَ عـن حاجتـي : تباطـأ . والمقصـود الجفـاء والتجنـب .
( 2 ) رابـك : الريـب : إسـاءة الظـن والشـك والتهمـة .
( 3 ) فنعتبـك : أي نعطيـك العتبـى ، وهـو الرجـوع عـن الإسـاءة إلـى ما يرضـي القلـب .

ـ عـن مالـك الـدار (1) : أن عمـر بـن الخطـاب ـرضي الله عنهـ أخـذ أربَعمائـة دينـار ، فجعلهـافـي صُـرّةٍ ، فقـال للغـلام : اذهـب بهـا إلـى أبـي عبيـدةَ بـن الجـرَّاحِ ، ثـم تَلَـهَّ فـي البيـت [ سـاعةً ] ؛ تنظـر ما يصنـع ؟ .
فذهـب بهـا الغـلام إليـه ، فقـال : يقـول لـك أميـر المؤمنيـن : اجعـل هـذه فـي بعـض حاجتِـك .
فقـال : وَصَلَـهُ الله ورحمـهُ ، ثـم قـال : تعالـي يـا جاريـة ! اذهبـي بهـذه السـبعة إلى فـلان ، وبهـذه الخمسـة إلـى فـلان ، وبهـذه الخمسـة إلـى فـلان ، حتـى أنفذهـا .
ورجـع الغـلامُ إلـى عمـرَ ، فأخْبَـرَهُ ، فوجـده قـد أعـدَّ مثلهـا لمعـاذ بـن جبـل ، فقـال : اذهـب بهـا إلـى معـاذ بن جبـل ، وتَلَـهَّ فـي البيـت [ سـاعةً ] حتـى تنظـرَ ما يصنـع ؟ .
فذهـب بها إليـه ، فقـال : يقـولُ لـك أميـرُ المؤمنيـن : اجعـل هـذه فـي بعـض حاجتـك .
فقـال رَحِمَـهُ اللهُ ووصَلَـهُ ، تعالـي يـا جاريـة ! اذهبـي إلـى بيـت فـلان بكـذا ، اذهبـي إلـى بيـت فـلان بكـذا ، اذهبـي إلـى بيـت فـلان بكـذا ، فاطَّلَعَـتْ امـرأةُ معـاذ وقالـت : نحـن والله مسـاكينُ ؛ فأعْطِنَـا ، فلم يبـقَ فـي الخرقـةِ إلا دينـاران ، فدحـى (2) بهمـا إليهـا ، ورجـع الغـلامُ إلى عمـرَ فأخبـره ، فَسُـرَّ بذلـك ، فقـال :
إنهـم إخـوة ، بعضهـم مـن بعـض .

رواه الطبراني في الكبير . قال الشيخ الألباني رحمه الله حسن موقوف . صحيح الترغيب والترهيب /
ج : 1 / كتاب : الصدقات / حديث رقم : 926 / ص : 551 .
( 1 ) مالـك الـدار : اسـم شـخص .
( 2 ) فدحـى : رمـى .,[1] => 1,[2] => 1,[3] => 0)),[2] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_bbcode.php,[line] => 456,[function] => do_parse,[class] => vB_BbCodeParser,[type] => ->,[args] => Array ([0] =>
الزهــد والمـــال

ممـا لاشـك فيـه ، أن أهـم رمـز مـن رمـوز الدنيـا هـو " المـال " ، فهـو فـي نظـر النـاس الوسـيلة الأكيـدة لتحصيـل مـا يريـدون تحصيلـه مـن حاجـات أو ملـذات ، أو شـهوات ، ولقـد جُبلـت النفـوس علـى حبـه والشـح بـه .
قـال تعالـى " وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا " سورة الفجر / آية : 20 .
وعلـى عكـس الكثيـر مـن شـهوات الدنيـا ، فـإن شهوة المال لا تنطفئ أبدًا ، فكلما كثُرَ المالُ وتنامَى ازداد النَّهَمُ تجاهه ، كالنارِ كلما زِيدَ في وقودِهَا اشتدَّ اشتعالُهَا .
يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم " لو أنَّ لابنِ آدمَ مثلُ وادٍ مالًا لأحبَّ أن له إليه مثلَه ، ولا يملأُ عينَ ابنِ آدم إلَّا التُّرابُ ، ويتوبُ اللهُ على من تاب" . قال ابنُ عبَّاسٍ : فلا أدري من القرآنِ هو أم لا . قال : وسمِعتُ ابنَ الزُّبيرِ يقولُ ذلك على المنبرِ . الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 6437 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
الشرح

يُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم أنَّه لَو أنَّ لابنِ آدَمَ مِثلَ "وادٍ"، والوادي هو كلُّ مُنفَرِجٍ بَينَ جِبالٍ أو آكامٍ، وَهو مَنْفَذُ السَّيلِ. مالًا لأَحَبَّ أنَّ له إليه مِثْلَه، ولا يَملَأُ عَيْنَ ابنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ. وَيَتوبُ اللَّهُ على مَن تابَ، أي: يَقبَلُ تَوبةَ الحَريصِ، كَما يَقبَلُها مِن غَيرِهِ. قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما: فَلا أدْري مِن القُرآنِ- المَنسوخِ تِلاوَتُه- هو، أي: الحَديثِ المَذكورِ، أم لا؟
وَسَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ يَقولُ ذلك على المِنْبَرِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَة.
في الحديثِ: ما يَدُلُّ على أنَّ الآدَميَّ لا يُشبِعُه كَثرَةُ المالِ، وأنَّهُ لا يَملَأُ بَطنَه إلَّا التُّرابُ.
وفيه: أنَّ الإكثارَ مِن المالِ لا يُقَلِّلُ مِن حِرصِ الآدَميِّ، وَلا يَهضِمُ مِن شَرَهِه.
وفيه: الحَذَرُ مِن الانشِغالِ بِالمالِ، والفِتنةِ بِالمالِ.
وفيه: أنَّ المُؤمِنَ يَنبَغي أن يَكونَ أكْبَرَ هَمِّهِ العَمَلُ لِلآخِرةِ، وألَّا يَشغَلَ بالدُّنيا وشَهَواتِها
.الدرر السنية .

ومن هنا تظهر قيمةُ الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ كعلاجٍ أكيدٍ لحبِّ الدنيا والتَّعَلُّق بها . فحين تنفق المالَ فإنك بذلك تطفئ شهوته داخلك ، وكلما أكثرت من الإنفاق وداومت عليه كلما تحررت من أسر الدنيا . ولكي ننتفع بهذا " الدواء " ، علينا بالمداومة على الإنفاق في سبيل الله بصورة يومية ، ولو بأقل القليل ، وإن بلغ شق تمرة، وكلما انشغل المسلم بشيء من الدنيا فليبادر بالإنفاق ، وكلما كثرت الهموم ، وازداد الخوف من الفقر والمستقبل المجهول فعلينا بالإنفاق
رسالة هلموا إلى ربكم / ص : 69 / بتصرف .

ـ عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ قـال : قـال رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ "
ما من يومٍ يصبحُ العبادُ فيه، إلا ملَكان ينزلان، فيقول أحدُهما : اللهم أعطِ مُنفقًا خلفًا، ويقول الآخرُ : اللهم أعطِ مُمسكًا تلفًا" . الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 1442| خلاصة حكم المحدث : صحيح| شرح الحديث - الدرر السنية .
شرح الحديث:

يُحبِّبُنا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّصدُّقِ والإنفاقِ في وجوهِ الخير، ويخبِرُنا بأنَّه ما مِن يومٍ إلى قيام الساعة إلَّا ويُنزِل اللهُ ملَكينِ، يدعو أحدُهما بأنْ يَعطيَ اللهُ للمُتصدِّقِ عِوضًا عمَّا أنفَقه وأعطاه، ويدعو الآخَرُ بأن يُعطيَ اللهُ للمُمسِك البخيلِ تلَفَ مالِه أو نفسِه، أو هلاكَه وضَياعَه.
في الحديثِ: الحضُّ على الإنفاقِ في الواجباتِ؛ كالنَّفقةِ على الأهلِ، وصِلةِ الرَّحِم، ويدخُلُ فيه صدقةُ التَّطوُّعِ والفرضِ.
وفيه: أنَّ المُمسِكَ يستحِقُّ تلَفَ مالِه.

ـ عـن أبـي هريـرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال :

" [h=5]- قال اللهُ عزَّ وجلَّ : أنفقْ أُنفقْ عليك ، وقال : يدُ اللهِ ملأى لا تغيضُها نفقةٌ ، سحَّاءُ الليلِ والنهارِ . وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماءَ والأرضَ فإنه لم يَغِضْ ما في يدِه ، وكان عرشُه على الماءِ ، وبيدِه الميزانُ يخفضُ ويرفعُ[/h] الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 4684 | خلاصة حكم المحدث : صحيح |الدرر السنية .

شرح الحديث


يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديثِ القُدسيِّ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقول: ((أَنفِقْ أُنفِقْ عليكَ، وقال: يَدُ اللهِ مَلأى))، أيْ: شديدة الامتِلاء بالخَير، ((لا تَغِيضُها))، أي: لا تَنقُصُها، ((نفَقةٌ، سَحَّاءُ اللَّيلِ والنَّهارِ))؟، "وسحَّاء"، أي: كثيرةُ العطاءِ، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أخبِروني ما أَنْفَق))، أي: الذي أنفَقَه منذُ خَلَق السَّماء والأرض؛ ((فإنَّه لم يَغِضْ))، أي: لم يَنقُصْ ما في يَدِه، ((وكان عَرْشُه على الماءِ، وبيدِه المِيزانُ: يَخْفِض)) مَن يَشاءُ، ((ويَرفَع)) مَن يَشاء، وأئمَّةُ السُّنَّةِ على وُجوبِ الإيمانِ بهذا الحديثِ وأشباهِه من غَيرِ تأويلٍ؛ بل يُمرُّونَه على ظاهرِه كما جاءَ، ولا يُقال: كيف.
في الحديث: الحَضُّ على الإنفاقِ فِي الواجباتِ كالنفقةِ على الأهلِ، وصِلةِ الرَّحمِ، ويَدخُل فيه أيضًا صَدقةُ التطوُّعِ، والوعدُ بإخلافِ اللهِ تعالى على المُنفِقِ.
وفيه: إثباتُ صِفةِ اليَدِ للهِ سبحانه على ما يَليقُ بكمالِه وجلالِه.
الدرر السنية .

ـ عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال " مـا مـن يـومٍ طلعـت شـمسُه إلا وكـان بجَنْبَتَيْهَـا مَلَكـان يناديـان نـداءً يسـمعه ما خلـق الله كلُّهـم غيـرُ الثقليـن : " يـا أيهـا النـاس هَلُمُّـوا إلـى ربكـم ؛ فـإن مـا قَـلَّ وكفـى ، خيـرٌ ممـا كَثُـرَ وألْهـى " .

رواه البيهقي من طريق الحاكم . وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب /ج : 1 / كتاب الصدقات / حديث رقم : 917 / ص : 547 .

ـ عـن أبـي سـعيد الخـدري ـ رضي الله عنه ـ عـن رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ قـال : " مـا أُحـب أنَّ لـي أُحـدًا ذهبـًا ، أَبْقَـى صبـحَ ثالثـةٍ وعنـدي منـه شـيءٌ ، إلا شـيءٌ أُعِـدُّه لِدَيْـن " .

رواه البزار . وقال الشيخ الألباني رحمه الله صحيح لغيره . صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 /
كتاب : الصدقات / حديث رقم : 931 / ص : 554 .

ـ عـن ابـن مسـعود ـ رضي الله عنه ـ قـال : قـال رسـول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ :
" أيكـم مـالُ وارِثـه أحـبُّ إليـه مـن مالـه ؟ " .
قالـوا : يـا رسـول الله ! مـا منَّـا أحـدٌ إلا مالُـه أحـبُّ إليـه مـن مـال وارثـه .
قـال صلى الله عليه وعلى آله وسـلم : " فـإنَّ مالَـه مـا قـدَّم (1) ، ومـالَ وارثـه ما أخَّـر (2) " .

رواه البخاري والنسائي . صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 / كتاب : الصدقات /
حديث رقم : 920 / ص : 548 .
( 1 ) مـا قـدم : أي مـا أنفقـه فـي سـبيل الله حـال حياتـه .
( 2 ) مـا أخـر : أي تركـه لورثتـه بعـد مماتـه .

ـ عـن طلحـة بـن يحيـى عـن جَدتـه سُعْـدى قالـت :
دخلـتُ يومـًا علـى طلحـة ـ تعنـي ابـن عبيـد الله ـ فرأيـتُ منه ثِقـلاً (1) ، فقلـتُ لـه : مالـك ؟ ! لعلـك رَابَـكَ (2) منا شـيء فَنُعْتِبَـكَ (3) ؟ قـال : لا ، وَلَنِعْـمَ حَليلـةُ المـرءِ المسـلمِ أنـتِ ، ولكـنْ اجتمـع عنـدي مـالٌ ، ولا أدري كيـف أصنـع بـه ؟
قالـت : ومـا يَغُمُّـكَ منـه ؟ ادع قومَـكَ ، فاقسـمه بينهـم .
فقـال : يا غـلام ! علـيَّ بقومـي .
فسـألتُ الخـازنَ : كـم قَسـمَ ؟ . قـال : أربعمائـة ألـف .

رواه الطبراني . وقال الشيخ الألباني حسن موقوف / صحيح الترغيب والترهيب / ج : 1 /
كتاب : الصدقات / حديث رقم : 925 / ص : 550 .

-11-
( 1 ) ثقـلاً : ثَقُـلَ عـن حاجتـي : تباطـأ . والمقصـود الجفـاء والتجنـب .
( 2 ) رابـك : الريـب : إسـاءة الظـن والشـك والتهمـة .
( 3 ) فنعتبـك : أي نعطيـك العتبـى ، وهـو الرجـوع عـن الإسـاءة إلـى ما يرضـي القلـب .

ـ عـن مالـك الـدار (1) : أن عمـر بـن الخطـاب ـرضي الله عنهـ أخـذ أربَعمائـة دينـار ، فجعلهـافـي صُـرّةٍ ، فقـال للغـلام : اذهـب بهـا إلـى أبـي عبيـدةَ بـن الجـرَّاحِ ، ثـم تَلَـهَّ فـي البيـت [ سـاعةً ] ؛ تنظـر ما يصنـع ؟ .
فذهـب بهـا الغـلام إليـه ، فقـال : يقـول لـك أميـر المؤمنيـن : اجعـل هـذه فـي بعـض حاجتِـك .
فقـال : وَصَلَـهُ الله ورحمـهُ ، ثـم قـال : تعالـي يـا جاريـة ! اذهبـي بهـذه السـبعة إلى فـلان ، وبهـذه الخمسـة إلـى فـلان ، وبهـذه الخمسـة إلـى فـلان ، حتـى أنفذهـا .
ورجـع الغـلامُ إلـى عمـرَ ، فأخْبَـرَهُ ، فوجـده قـد أعـدَّ مثلهـا لمعـاذ بـن جبـل ، فقـال : اذهـب بهـا إلـى معـاذ بن جبـل ، وتَلَـهَّ فـي البيـت [ سـاعةً ] حتـى تنظـرَ ما يصنـع ؟ .
فذهـب بها إليـه ، فقـال : يقـولُ لـك أميـرُ المؤمنيـن : اجعـل هـذه فـي بعـض حاجتـك .
فقـال رَحِمَـهُ اللهُ ووصَلَـهُ ، تعالـي يـا جاريـة ! اذهبـي إلـى بيـت فـلان بكـذا ، اذهبـي إلـى بيـت فـلان بكـذا ، اذهبـي إلـى بيـت فـلان بكـذا ، فاطَّلَعَـتْ امـرأةُ معـاذ وقالـت : نحـن والله مسـاكينُ ؛ فأعْطِنَـا ، فلم يبـقَ فـي الخرقـةِ إلا دينـاران ، فدحـى (2) بهمـا إليهـا ، ورجـع الغـلامُ إلى عمـرَ فأخبـره ، فَسُـرَّ بذلـك ، فقـال :
إنهـم إخـوة ، بعضهـم مـن بعـض .

رواه الطبراني في الكبير . قال الشيخ الألباني رحمه الله حسن موقوف . صحيح الترغيب والترهيب /
ج : 1 / كتاب : الصدقات / حديث رقم : 926 / ص : 551 .
( 1 ) مالـك الـدار : اسـم شـخص .
( 2 ) فدحـى : رمـى .

ابن تيمية



 "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"
شيخ الإسلام ابن تيمية

هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏

ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان
"المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم= ، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏
 
على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، ),[74] ] => هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة) ، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏
text,[data]
أفتى وله تسع عشرة سنة) => ، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏

قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏

شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏

وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏

اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏

>
ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين،  فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏

اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏

كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَ),
 إِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )"النساء59
، وبقوله تعالى => وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "  الشورى10
وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏

  =>
رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل > وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏)

=============================


"ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"
(شيخ الإسلام ابن تيمية) هنا .

هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏

ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان جده أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله، صاحب كتاب "المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم"، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏
انتقل مع أسرته إلى دمشق على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏

أفتى وله تسع عشرة سنة، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏

قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏

شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏

وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏

اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏

ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏

اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏

كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "النساء59
، وبقوله تعالى " {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "الشورى10
وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏

توفي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل : إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف، وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏هنا .,[1] => 1,[2] => 1,[3] => 0)),[2] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_bbcode.php,[line] => 456,[function] => do_parse,[class] => vB_BbCodeParser,[type] => ->,[args] => Array ([0] => "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"
(شيخ الإسلام ابن تيمية) هنا .

هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏

ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان جده أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله، صاحب كتاب "المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم"، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏
انتقل مع أسرته إلى دمشق على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏

أفتى وله تسع عشرة سنة، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏

قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏

شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏

وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏

اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏

ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏

اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏

كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "النساء59
، وبقوله تعالى " {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "الشورى10
وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏

توفي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل : إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف، وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏هنا .,[1] => 0,[2] => 1,[3] => 1,[4] => 1,[5] => 1,[6] => ,[7] => on_nl2br,[8] => ,[9] => 1)),[3] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_postbit.php,[line] => 1231,[function] => parse,[class] => vB_BbCodeParser,[type] => ->,[args] => Array ([0] => "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" (شيخ الإسلام ابن تيمية) هنا . هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏ ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان جده أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله، صاحب كتاب "المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم"، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏ انتقل مع أسرته إلى دمشق على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏ أفتى وله تسع عشرة سنة، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏ قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏ شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏ وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏ اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏ ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏ اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏ كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "النساء59 ، وبقوله تعالى " {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "الشورى10 وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏ توفي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل : إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف، وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏هنا .,[1] => 15,[2] => 1,[3] => ,[4] => ,[5] => ,[6] => ,[7] => on_nl2br)),[4] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_postbit.php,[line] => 329,[function] => parse_bbcode,[class] => vB_Postbit_Post,[type] => ->,[args] => Array ()),[5] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/showthread.php,[line] => 1096,[function] => construct_postbit,[class] => vB_Postbit,[type] => ->,[args] => Array ([0] => Array))),[Errorprevious] => ),[code] => 256)) #1 trigger_error(Function name must be a string on line 1566 in /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_bbcode.php , 256) called at [/home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/vb/vb.php:286] #2 vB::handleException(Error Object ([*message] => Function name must be a string,[Errorstring] => ,[*code] => 0,[*file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_bbcode.php,[*line] => 1566,[Errortrace] => Array ([0] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_bbcode.php,[line] => 1021,[function] => parse_array,[class] => vB_BbCodeParser,[type] => ->,[args] => Array ([0] => Array ([0] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => Traditional Arabic,[delimiter] => ,[closing] => ),[1] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => 6,[delimiter] => ,[closing] => ),[2] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[3] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[4] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => Traditional Arabic,[delimiter] => ,[closing] => ),[5] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => 6,[delimiter] => ,[closing] => ),[6] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[7] => Array ([type] => text,[data] => "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"
),[8] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[9] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => ,[closing] => 1),[10] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => ,[closing] => 1),[11] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[12] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[13] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => ,[closing] => 1),[14] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => ,[closing] => 1),[15] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #8b4513,[delimiter] => ,[closing] => ),[16] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => Traditional Arabic,[delimiter] => ,[closing] => ),[17] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => 6,[delimiter] => ,[closing] => ),[18] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[19] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => Traditional Arabic,[delimiter] => ,[closing] => ),[20] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => 6,[delimiter] => ,[closing] => ),[21] => Array ([type] => text,[data] => (
شيخ الإسلام ابن تيمية),[22] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => ,[closing] => 1),[23] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => ,[closing] => 1),[24] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[25] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => ,[closing] => 1),[26] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => ,[closing] => 1),[27] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[28] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => Traditional Arabic,[delimiter] => ,[closing] => ),[29] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => 6,[delimiter] => ,[closing] => ),[30] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[31] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[32] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => Traditional Arabic,[delimiter] => ,[closing] => ),[33] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => 6,[delimiter] => ,[closing] => ),[34] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[35] => Array ([type] => text,[data] => ) ),[36] => Array ([type] => tag,[name] => url,[name_orig] => URL,[option] => http://shamela.ws/browse.php/book-21524/page-14#page-6,[delimiter] => ",[closing] => ),[37] => Array ([type] => text,[data] => هنا),[38] => Array ([type] => tag,[name] => url,[name_orig] => URL,[option] => ,[closing] => 1),[39] => Array ([type] => text,[data] => .),[40] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[41] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => ,[closing] => 1),[42] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => ,[closing] => 1),[43] => Array ([type] => text,[data] =>

هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏

ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان ),[44] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[45] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[46] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #800080,[delimiter] => ,[closing] => ),[47] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[48] => Array ([type] => text,[data] => جده),[49] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[50] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[51] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[52] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[53] => Array ([type] => text,[data] => أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله، صاحب كتاب ),[54] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[55] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[56] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #008080,[delimiter] => ,[closing] => ),[57] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[58] => Array ([type] => text,[data] => "المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم"),[59] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[60] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[61] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[62] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[63] => Array ([type] => text,[data] => ، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏
),[64] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[65] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[66] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #0000ff,[delimiter] => ,[closing] => ),[67] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[68] => Array ([type] => text,[data] =>
انتقل مع أسرته إلى دمشق ),[69] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[70] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[71] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[72] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[73] => Array ([type] => text,[data] => على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، ),[74] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[75] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[76] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #0000ff,[delimiter] => ,[closing] => ),[77] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[78] => Array ([type] => text,[data] => هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة),[79] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[80] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[81] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[82] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[83] => Array ([type] => text,[data] => ، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏

),[84] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[85] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[86] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #008080,[delimiter] => ,[closing] => ),[87] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[88] => Array ([type] => text,[data] =>
أفتى وله تسع عشرة سنة),[89] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[90] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[91] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[92] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[93] => Array ([type] => text,[data] => ، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏

قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏

شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏

وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏

اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏

),[94] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[95] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[96] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #b22222,[delimiter] => ,[closing] => ),[97] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[98] => Array ([type] => text,[data] =>
ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، ),[99] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[100] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[101] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[102] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[103] => Array ([type] => text,[data] => فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏

اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏

كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَ),[104] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[105] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[106] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #800080,[delimiter] => ,[closing] => ),[107] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[108] => Array ([type] => text,[data] => إِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ),[109] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[110] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[111] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[112] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[113] => Array ([type] => text,[data] => "النساء59
، وبقوله تعالى " {),[114] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[115] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[116] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #008080,[delimiter] => ,[closing] => ),[117] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[118] => Array ([type] => text,[data] => وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "),[119] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[120] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[121] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[122] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[123] => Array ([type] => text,[data] => الشورى10
وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏

),[124] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[125] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[126] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #b22222,[delimiter] => ,[closing] => ),[127] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[128] => Array ([type] => text,[data] =>
توفي),[129] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[130] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[131] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[132] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[133] => Array ([type] => text,[data] => رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل :),[134] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[135] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[136] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => #008080,[delimiter] => ,[closing] => ),[137] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[138] => Array ([type] => text,[data] => إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف،),[139] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[140] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[141] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => Navy,[delimiter] => ,[closing] => ),[142] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => ),[143] => Array ([type] => text,[data] => وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏),[144] => Array ([type] => tag,[name] => url,[name_orig] => URL,[option] => http://library.islamweb.net/newlibrary/display_umma.php?lang=&BabId=3&ChapterId=3&BookId=255&CatId=201&startno=0,[delimiter] => ",[closing] => ),[145] => Array ([type] => text,[data] => هنا),[146] => Array ([type] => tag,[name] => url,[name_orig] => URL,[option] => ,[closing] => 1),[147] => Array ([type] => text,[data] => .),[148] => Array ([type] => tag,[name] => b,[name_orig] => B,[option] => ,[closing] => 1),[149] => Array ([type] => tag,[name] => color,[name_orig] => COLOR,[option] => ,[closing] => 1),[150] => Array ([type] => tag,[name] => size,[name_orig] => SIZE,[option] => ,[closing] => 1),[151] => Array ([type] => tag,[name] => font,[name_orig] => FONT,[option] => ,[closing] => 1)),[1] => 1,[2] => 1,[3] => 0)),[1] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_bbcode.php,[line] => 542,[function] => parse_bbcode,[class] => vB_BbCodeParser,[type] => ->,[args] => Array ([0] => "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"
(شيخ الإسلام ابن تيمية) هنا .

هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏

ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان جده أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله، صاحب كتاب "المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم"، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏
انتقل مع أسرته إلى دمشق على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏

أفتى وله تسع عشرة سنة، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏

قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏

شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏

وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏

اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏

ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏

اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏

كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "النساء59
، وبقوله تعالى " {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "الشورى10
وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏

توفي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل : إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف، وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏هنا .,[1] => 1,[2] => 1,[3] => 0)),[2] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_bbcode.php,[line] => 456,[function] => do_parse,[class] => vB_BbCodeParser,[type] => ->,[args] => Array ([0] => "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"
(شيخ الإسلام ابن تيمية) هنا .

هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏

ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان جده أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله، صاحب كتاب "المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم"، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏
انتقل مع أسرته إلى دمشق على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏

أفتى وله تسع عشرة سنة، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏

قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏

شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏

وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏

اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏

ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏

اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏

كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "النساء59
، وبقوله تعالى " {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "الشورى10
وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏

توفي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل : إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف، وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏هنا .,[1] => 0,[2] => 1,[3] => 1,[4] => 1,[5] => 1,[6] => ,[7] => on_nl2br,[8] => ,[9] => 1)),[3] => Array ([file] => /home/vol13_1/byethost11.com/b11_13506655/htdocs/includes/class_postbit.php,[line] => 1231,[function] => parse,[class] => vB_BbCodeParser,[type] => ->,[args] => Array ([0] => "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ أين رحت فهي معي، لا تفارقني:أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" (شيخ الإسلام ابن تيمية) هنا . هو الإمام المجتهد شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلام بن عبــد الله بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني.‏ ولد بحَرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، ونشأ في بيئة علمية، فكان جده أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله، صاحب كتاب "المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه و سلم"، من أئمة علماء المذهب الحنبلي، ووالده من علماء المذهب، اشتغل بالتدريس والفتوى، وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته.‏ انتقل مع أسرته إلى دمشق على إثر تخريب التتار لبلده حران، وهو ابن سبع سنين، وبدت عليه مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره، فحفظ القرآن في سن مبكرة، ولم يتم العشرين إلا وبلغ من العلم مبلغه، ذكر ابن عبد الهادي في ترجمته : أن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعُني بالحديث، وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه، حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه .‏ أفتى وله تسع عشرة سنة، وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن، وتولى التدريس بعد وفاة والده، سنة 682هـ بدار الحديث السكرية، وله إحدى وعشرون سنة، حتى اشتهر أمره بين الناس، وبعد صيته في الآفاق، نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته، فقد خصه الله باستعداد ذاتي أهَّلَهُ لذلك، منه قوة الحافظة، وإبطاء النسيان، فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إلا ويبقى غالبًا على خاطره، إما بلفظه أو معناه. ففي محنته الأولى بمصر، صنف عدة كتب وهو بالسجن، استدل فيها بما احتاج إليه من الأحاديث والآثار، وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء، وعزاها إلى قائليها بأسمائهم، كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه، فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ولا خلل.‏ قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد، فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه، وتَرِدُه الرسائل للاستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة، فيجيب عليها كتابة.. ترك ثروة علمية تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه، وتكامل إدراكه لأطراف ما يبحثه واستوائه لديه، ومن ذلك مسائل علم الكلام ومباحث الفلسفة، فهو يناقش المتكلمين والفلاسفة بأدلتهم، وينقد مناهجهم، ويبطل حُجَجَهُم بثقة وعلم، ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله لا يمكن ضبط عددها، وأنه لا يَعلم أحدًا من متقدمي الأمة جَمَعَ مثل ما جمعه، وصنف نحو ما صنفه.‏ شارك في معركة شقحب، التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار، بقرب دمشق في شهر رمضان سنة 702هـ، وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار، الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام، وتوسيع سلطتهم على أطرافها، وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع.‏ وجاهد المخالفين من أهل الأهواء والبدع، مستعينًا بسلاح العلم، ومتحليًا في منازلتهم بالعدل والرحمة، فقد حاور أهل الكلام، مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان، وتصدى للفلاسفة وغلاة التصوف من أتباع ابن عربي وتلاميذه، فكشف أستارهم، وأبان عوار مسلكهم.‏ اتبع مسلك الاجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الأحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور من مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف) .‏ ابتلي *رحمه الله* في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنَى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو إهانتهم، يقول فيها "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل : فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله..." .‏ اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال : ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ ما عنده عليهم. قال : فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك : ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" .‏ كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل، وغايته إظهار الحق والانتصار له، دون خوف من أحد ولا مداهنة فيه، فإنه كان سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين . من قرأ رسائله وتراثه العلمي، أدرك دقة وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار لمنهجه لما قال "إذا نظر المنصف إليه بعين العدل، يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان، ولا يراقب في الأخذ بعلومهما أحدًا، ولا يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنهما لقول أحد، وهو مستمسك بالعروة الوثقى واليد الطولى، وعامل بقول الله تعالى" فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً "النساء59 ، وبقوله تعالى " {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "الشورى10 وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما، والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوالاً للعلماء، إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) .‏ توفي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق محبوسًا، بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا، فاشتد أسف الناس عليه.. قيل : إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف، وإنه لم يسمع بجنازة حضرها مثل هذا الجمع، إلا جنازة الإمام أحمد رحمه الله.‏هنا . =>