الاثنين، 1 يونيو 2020

فضل القرأن وتفسير آية الكرسي

فضل القرآن وتفسير آية الكرسي


بِسْمِ اللَّهِ ،والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ أما بعد:
فأسأل الله -تعالى- أن يجعل هذا المجلس مباركًا، ونافعًا، وأن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته.


بِسْمِ اللَّهِ: أَيْ : أَبْتَدِئُ .... مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللهِ.
"اقْرَؤوا القرآنَ . فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابِهِ. اقرَؤوا الزَّهرَاوَين : البقرةَ وسورةَ آلِ عمرانَ . فإنهما تأتِيان يومَ القيامةِ كأنهما غَمامتانِ . أو كأنهما غَيايتانِ . أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صوافَّ . تُحاجّان عن أصحابهما . اقرَؤوا سورةَ البقرةِ . فإنَّ أَخْذَها بركةٌ . وتركَها حسرةٌ . ولا يستطيعُها البَطَلَةُ"الراوي : أبو أمامة الباهلي - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم-الصفحة أو الرقم: 804 - خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر -

"شفيعًا لأصحابِهِ"، أي: يَشْفَعُ لِقَارِئِيهِ، الَّذين يَقرؤونه مُتَدَبِّرِينَ له، عامِلين بما فيه.وفي الحَديثِ: الحثُّ على قِراءَةِ القُرآنِ، وفَضيلةُ سُورَةِ البقَرةِ وآلِ عِمرانَ، وعِظَم سورة البقرة خُصوصًا.- الدرر -


"ما أصابَ عبدًا همٌّ ولا حزَنٌ ، فقالَ : اللَّهمَّ إنِّي عبدُكَ ، وابنُ عبدِكَ ، وابنُ أمتِكَ ، ناصِيتي بيدِكَ ، ماضٍ فيَّ حُكمُكَ ، عدلٌ فيَّ قضاؤُكَ ، أسألُكَ بِكُلِّ اسمٍ هوَ لَكَ ، سمَّيتَ بهِ نفسَكَ ، أو أنزلتَهُ في كتابِكَ ، أو علَّمتَهُ أحدًا مِن خلقِكَ ، أوِ استأثَرتَ بهِ في عِلمِ الغَيبِ عندَكَ ، أن تَجعلَ القرآنَ ربيعَ قَلبي ، ونورَ صَدري ، وجلاءَ حُزْني ، وذَهابَ هَمِّي ، إلَّا أذهبَ اللَّهُ همَّهُ وحزنَهُ ، وأبدلَهُ مَكانَهُ فرجًا"
الراوي : عبدالله بن مسعود-المحدث : الألباني-المصدر : الكلم الطيب-الصفحة أو الرقم: 124 - خلاصة حكم المحدث : صحيح الدرر-

*
قال تعالى"قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ"وهو القرآن، يُستضاء به في ظلمات الجهالة وعماية الضلالة. "وَكِتَابٌ مُّبِينٌ " لكل ما يحتاج الخلق إليه من أمور دينهم ودنياهم. من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية. .تفسير الشيخ السعدي -

اللهم اجعل القرآنَ ربيعَ قلوبِنا، ونورَ صدورِنا، وجلاءَ أحزانِنا ، اللهم اجعله شفيعًا لنا ، وشاهدًا لنا لا شاهدًا علينا ،ونسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
فللقرآن وتلاوته فضائل لا تعدّ ولا تُحصى، فقد بيّن لنا النبي أجر قراءة حرف من القرآن فهو بعشر حسنات، كذلك ما للقرآن من آثار نفسية عميقة في قرارة نفوسِنَا فهو أفضل الحلول للتخلّص من الهمّ والغمّ، ومن فضائل القرآن أنه نور في الحياة "قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ" وفي الممات ويوم القيامة.
فالذي جاء في السنة النبوية الصحيحة من تمثل العمل الصالح ، ومنه قيام العبد بالقرآن الكريم ، بالرجل الحسن في القبر ما يلي :
" ....قَالَ : وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ ، حَسَنُ الثِّيَابِ ، طَيِّبُ الرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ . فَيَقُولُ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ . فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ . فَيَقُولُ : رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي "
رواه أحمد :4/362- وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" 156.

" َإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ . فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : مَا أَعْرِفُكَ . فَيَقُولُ لَهُ : أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا . فَيَقُولَانِ : بِمَ كُسِينَا هَذِهِ ؟ فَيُقَالُ : بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا "رواه أحمد في "المسند" 394- وابن ماجه في "السنن" 3781-وحسنه البوصيري في الزوائد والألباني في "السلسلة الصحيحة" 2829.
يقول السيوطي في شرح الحديث :2/1242 :
" كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ "قال السيوطي : هو المتغير اللون ، وكأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا ، أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة ." انتهى .
- هنا -
وإن كان الله جعل للقرآن تلك الخصال الفريدة فقد خصّ بعض السور والآيات بشيء من الفضل، والتي نذكر منها آية الكرسي
.

*الترغيب في تفسير القرآن:
تعريف التفسير:التفسير لغة مشتق من الفسر بمعنى الكشف و البيان، و قيل هو مقلوب السفر نقول أسفر الصبح إذا أضاء، و سفرت المرأة سفورا إذا ألقت خمارها عن وجها، و سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أحوال و صفات الرجال.
عرفه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني بقوله"علم يُبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية". -مناهل العرفان في علوم القرآن.

* أهمية التفسير: يعتبر علم التفسير من أعظم العلوم و أجلها، و كيف لا يكون كذلك و هو الوسيلة لتدبر كلام الله جل و علا، يقول تعالى"كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" ص: 29.


*فضل و تفسير آية الكرسي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد:
قال تعالى"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ "البقرة: 255.
هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتِهَا وجعلها وِرْدًا للإنسانِ في أوقاتِه صباحًا ومساءً وعند نومِهِ وأدبارِ الصلواتِ المكتوباتِ.
"يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ. قالَ: يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ"اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هو الحَيُّ القَيُّومُ"البقرة:255. قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ."الراوي : أبي بن كعب-المحدث : مسلم-المصدر : صحيح مسلم.
وفي رواية:
لِيَهْنِكَ العلمُ أبا المنذرِ ! . والَّذي نَفسي بيدِه إنَّ لهذه الآيةِ لِسانًا وشَفتيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عِندَ ساقِ العَرشِ"الراوي : أبي بن كعب -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب .

شرح الحديث:كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسنَ النَّاسِ تَعليمًا وإرشادًا لأصحابِه، وفي هذا الحَديثِ يحكي أُبَيُّ بنُ كَعبٍ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له: يا أبا المُنذِرِ- وهيَ كُنيةُ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضيَ اللهُ عَنه- أتدْري أيَّ آيةٍ مِن كِتابِ اللهِ مَعكَ أعظَمَ؟ قالَ أُبيٌّ: قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قال: يا أبا المُنذِرِ، أتدرِي أيَّ آيةٍ مِن كِتابِ اللهِ مَعكَ أعظَمَ؟ قالَ: قُلتُ"اللَّهُ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ الحَيُّ القيُّومُ.."، يَعني آيةَ الكُرسيِّ؛ وهذا لأنَّ هَذه الآيَةَ مُشتملَةٌ عَلى عَشرِ صِفاتٍ مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ: فَضربَ في صَدري وَقالَ: واللهِ! لِيَهْنِكَ العِلمُ أبا المُنذرِ، أيْ: لِيَكُنِ العلمُ هنيئًا لك تَهنَّأ به، والقَصدُ الدُّعاءُ لَه بتَيسيرِ العِلمِ والرُّسوخِ فيهِ.
في الحَديثِ: مَنقُبَةٌ عَظيمَةٌ لأُبيِّ بنِ كَعبٍ رَضي اللهُ عنه.
وفيه: مَشروعيَّةُ مَدحِ الإنسانِ في وَجهِهِ إذا كان فيه مصلحةٌ، ولم يُخَفْ عليه إعجابٌ ونحوُه.
وَفيهِ أيضًا: تَبجيلُ العالِمِ فُضلاءَ أصحابِهِ.الدرر السنية.


"مَنْ قرأَ آيةً الكُرسِيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ ، لمْ يمنعْهُ من دُخُولِالجنةَ إلَّا أنْ يمُوتَ"الراوي : أبو أمامة الباهلي-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح الجامع-الصفحة أو الرقم- 6464:خلاصة حكم المحدث : صحيح.

"وَكَّلَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - فَذَكَرَ الحَدِيثَ -، فَقالَ: إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَالكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، ولَا يَقْرَبُكَ شيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَدَقَكَ وهو كَذُوبٌ ذَاكَ شيطَانٌ."الراوي : أبو هريرة-المحدث : البخاري- المصدر : صحيح البخاري.

تفسير آية الكرسي:
يثني على نفسه جلَّ جلاله بما هو أهله من الصفات العلى والأسماء الحسنى، فيقول"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ" فينفي الألوهية عن غيره ويثبت الألوهية لنفسه، وهذا يقتضي أنه وحده الذي يستحق العبادة ويستحق الدعاء ويستحق التوكل، وأنه لا أحد سواه يستحق شيئًا من أنواع العبادة المختلفة.
فأخبرَ تعالى عن نفسهِ الكريمة بأنه – الله- لفظُ الجلالةِ: اللَّهُ :هو اسمٌ من أسماءِ الله الحسنى. ولفظُ الجلالةِ عَلَمٌ على ذاتِهِ تباركَ وتعالى ،وكل الأسماء الحسنى تضاف إلي لفظ الجلالة.

تُضاف الأسماء إليه، ولا يُضاف إليها، فيقال: الرّحمن الرّحيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرّحمن الرّحيم، حتّى إنّه سبحانه قال" وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا "الأعراف:180. وقال  عز وجل "  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ "22" هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ "23:الحشر.- أنّه لا يصحّ إسلام أحد من النّاس إلاّ بالنّطق به، فلو قال: لا إله إلاّ الرّحمن، لم يصحّ إسلامه عند جماهير العلماء.
- ولا تنعقد صلاة أحد من النّاس إلاّ بالتلفّظ به، فلو قال: الرّحمن أكبر ! لم تنعقد صلاته.منقول.

هذا الاسم هو اللفظ الجليل الجامع لكل صفات الكمال التي لا بد أن يتصف بها الخالق العظيم، ومعناه: المألوه ، ذو الألوهية ،أي المعبود أو المستحق للعبادة لما اتصف به من صفات الأُلوهية التي هي صفات الكمال، التي يدل عليها الأسماء الحسنى جميعها

" لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ"أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدًا لربه، ممتثلًا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقًا ناقصًا مدبرًا فقيرًا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئًا من أنواع العبادة.
وقوله" الْحَيُّ الْقَيُّومُ"هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنًا ولزومًا، فالْحَيُّ من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، و الْقَيُّومُ: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
" الْحَيُّ الْقَيُّومُ " اسمان من أسماء الله تعالى، وهما جامعان لكمال الأوصاف والأفعال.
فالله جل جلاله من أسمائه الْحَيُّ، فهو موصوف بحياة أزلية لا بداية لها، وأبدية لا نهاية لها، حياة كاملة دائمة ليس لها انقطاع ولا زوال، فهو الحي الباقي الدائم، الذي لا أول له بحد ولا آخر له بأمد" هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "الحديد: 3، فهو الأول الذي لا شيء قبله، والآخر الذي لا شيء بعده، خالق كل شيء، وكل ما سواه، وإن كان حيًّا فلحياته أول محدود وآخر معدود، ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بانقضاء غايتها.
كل ما سوى الله حياته سُبِقت بعدم ويعتريها الخلل والضعف والمرض ويلحقها الزوال والفناء والموت، أما حياة الخالق جل جلاله وعز كماله لم تُسبق بعدم ولم يَسبقها ابتداء ولا يلحقها فناء ولا زوال، ولا يعترضها خلل ولا ضعف، ولا يتطرقها نقص ولا عيب، سبحانه وتعالى القائل" كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ "الرحمن: 26، 27.
فالله سبحانه وتعالى ذكر اسم الحي مباشرة بعد قوله:
" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ " وفي ذلك استدلال على إثباتِ بأن الله هو المعبود بحق، وإبطال عبودية كل من سواه، فالعبادة لا يستحقها إلا من كان حيًا بالحياة الدائمة الأبدية، وحيث لا حي بهذه الحياة إلا الله الواحد الأحد، فلا يستحق العبادة إلا هو سبحانه.
إذا جعلتَ أيها العبد جهدَكَ لحيّ يموت، ضاع جهدُكَ إذا مات.
إن اعتززت أيها العبد بحيّ يموت، ضاعت عزتك إذا مات.
إن توكلت على حي يموت، ضاع أملُكَ إذا مات.
فكل من في السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن يموت، والله رب العزة والجلال لا إله إلا هو حي لا يموت.لذلك قرن الله بين هذا الاسم، " الْحَيِّ " وبين التوكل عليه فقال عز من قائل" وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ "الفرقان: 58.
فإذا علمت أن الله جل وعلا غني عنك وأنك عظيم الافتقار إليه ازداد تضرعك ودعاؤك وتوسلك ولجوؤك إليه تبارك وتعالى.

الْقَيُّومُ:

أي هو القائم بنفسه، المقيم لغيره.
الله هو الْقَيُّومُ، المدبر لجميع الأشياء، القائم بتدبير خلقه، يرزقهم ويحفظهم، فما من شيء إلا وإقامته بأمر الله وتدبيره سبحانه، جميع الموجودات مفتقرة إلى الله وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره سبحانه، قامت به الأرض والسموات وما فيهن من المخلوقات، فهو الذي أوجدها وأمدها وأعدها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامُها، وهو الغني عنها من كل وجه، وهي التي افتقرت إليه من كل وجه، هو المستغن عن كل شيء وكل شيء يحتاج إليه جل جلاله وهو القائل" يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ "فاطر: 15، فالحي القيوم من له صفة كل كمال وهو الفعال لما يريد.
قِيام الموجودات وبقاؤها وحفظُها بأمر الله تعالى، ولا قوام لها بدونه، من ذلك قوله تعالى
فمن الذي يمسك الطير في السماء؟ ومن يأمر الشمس بالجري لمستقرٍ لها؟! من يقدر منازل القمر؟! من يمنع الشمس عن الاجتماع مع القمر؟! ومن يَحجز الليل عن المجيء قبل انقضاء النهار؟! ومن يوقف النهار من الطلوع قبل ذهاب الليل؟! ومن يحفظ ركاب السفن وسط موجات البحر التي هي كالجبال؟
فكل إنسان مدعو إلى أن يفهم أنّ الله سبحانه وتعالى هو القيوم، ولابد أن يكون هذا الفهم واسعًا وشاملًا لصفة القيومية، فالله هو الذي يدبر أمر الخلق كلهم بشرًا وحيوانًا ونباتًا بتأمين أرزاقهم، وحاجاتهم، وزروعهم، ومياههم، قال جل وعلا" فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ *أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا *ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا *فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا *وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ"عبس: 24 – 32.
فأنت أيها الإنسان وكل ما لك وما عندك، بل حياتُك كلُها قائمة بأمر الله الحي القيوم، إذا أذن الله لك أن تعيش يوما عشته، وإن لم يأذن لك فلن تعيش أبدًا، ما من شيء فيك إلا وهو بقدرة الله وبإقامة الله إياه، فلو لم يُقمك الحي القيوم لما قدرت على شيء، فلا حول ولا قوة لك إلا بالله، أنت لا تستطيع أن تستقل بنفسك، تحتاج إلى الطعام والشراب، تحتاج إلى الزوجة والأولاد، تحتاج إلى الطبيب إذا مرضت، تحتاج إلى أشياء كثيرة.

أما الرب العظيم الكبير سبحانه فهو يُطعِم ولا يُطعَم وهو الرزاق ذو القوة المتين، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، مالِك الملك، يُعِزُ من يشاء ويذل من يشاء، يحيي ويميت، حي لا يموت.
فمن كان هذا ملكه وهذه صفاته وتلك نعمه، أفلا يستحق الحمد والشكر وإخلاصَ العبادةِ له دون سواه؟ الألوكة ,

ومن تمام حياته وقيوميته أن " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ"والسِّنَة النُّعَاس " لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ"أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال" مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ"أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ثم قال " يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ "أي: ما مضى من جميع الأمور " وَمَا خَلْفَهُمْ"أي:ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال" وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ"
فهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما أطلعهم عليه ، أما هو فهو العالم بأحوال عباده كلهم ماضيها ولاحقها، يعلم أحوالهم وما صدر منهم وما ماتوا عليه وما لهم في الآخرة، يعلم كل شيء سبحانه وتعالى.الشيخ :ابن باز.
" وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ"معناها ولا يحيطون بشيء من علم نفسه إلا بما شاء ، بمعنى أننا لا نعلم شيئًا عن الله إلا بما علمنا فتكون الآية كقوله تعالى "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا" طه: 110. لا يحيطون بشيء من علمه أي لا يعلمون عن شيء منه جل وعلا من أسمائه وصفاته إلا بما شاء.
وكذلك "عِلْم " هنا بمعنى معلوم أي لا يحيطون مما يعلمه بشيء إلا بما شاء ،وذلك لنقص علم الخلق وكمال علم الله عز وجل.الشيخ العثيمين.


" وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"
وَسِعَ :بمعنى أحاط. والكرسي: قال ابن عباس رضي الله عنهما " إنه موضع قدمي الله عز وجل " وهو بالنسبة للعرش أصغر بكثير ولهذا جاءفي الحديث " ما السَّماوات السّبع في الكُرسيِّ إلَّا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ ، وفضلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلقةِ"الراوي :أبو ذر الغفاري-المحدث : الألباني-المصدر : التعليق على الطحاوية.

.وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو سبحانه، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال ، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحِكَمِ والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال:
" وَلَا يَئُودُهُ
حِفْظُهُمَا"أي:لا يثقله ،ولا يعجزه حفظهما ولا يتعبه أمرهما..
" وَهُوَ الْعَلِيُّ "

له العلو المطلق علو الذات فوق العرش، وعلو القهر لجميع المخلوقات والسلطان، وعلو الشرف والقدر لكمال صفاته.
" الْعَظِيمُ"الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء.


فهذه الآية العظيمة فيها هذه الصفات العظيمة، ولهذا صارت أفضل آية في كتاب الله، وأعظم آية في كتاب الله؛ لكونها اشتملت على هذه المعاني العظيمة والأوصاف العظيمة للرب ، وأنه الحي القيوم، وأنه لا معبود بحق سواه، وأنه كامل الحياة لا تعتريه سنة ولا نوم، وأنه المالك لكل شيء، وأنه العالم بكل شيء، وأنه لا يئوده حفظ مخلوقاته ولا يشق عليه ذلك، بل هو القادر على كل شيء ، وأن كرسيه قد وسع السماوات والأرض ، وأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لكمال قدرته وكمال عظمته، وأنه العلي العلو المطلق،وهو العظيم الذي لا أعظم منه.
.الشيخ :ابن باز.
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق