الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

مَا أَحْوَجَنَا إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الأَدَب!

مَا أَحْوَجَنَا إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الأَدَب!

ـ قالَ عبد الله ابن المبارك (رحمه الله): قال لي مخلد بن الحسين (رحمه الله):
 «نَحْنُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الحَدِيثِ».
وَقَالَ ابنُ المُبَارَك – أيضًا-: «لاَ يَنْبُلُ الرَّجُلُ بِنَوْعٍ مِنَ العِلمِ مَا لَمْ يُزَيِّنْ عَمَلَهُ بِالأَدَب».
وقالَ –أَيضًا-: «طَلَبْتُ العِلمَ فَأَصَبْتُ فِيهِ شَيْئًا، وَطَلَبْتُ الأَدَب، فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا!».

ـ خالد بن نزار قال: سمعتُ مَالِكَ بنَ أنسٍ (رحمه الله) يقولُ لفَتًى مِن قُرَيشٍ: «يا ابنَ أَخِي! تَعَلَّمِ الأَدَبَ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ العِلْمَ».
وقالَ مالِكٌ –أيضًا-: «تَعَلَّمُوا الحِلْمَ قَبْلَ العِلْمِ».
وقالَ –أيضًا- لبعضِ بَنِي أَخِيهِ: «إِذَا تَعَلَّمْتُمْ عِلْمًا مِنْ طَاعَةِ اللهِ فَلْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُهُ، وَلْيُرَ فِيكَ سَمْتُهُ، وَتَعَلَّمْ لِذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي عَلِمْتَهُ السَّكِينَةَ وَالحِلْمَ وَالوَقَارَ».

ـ وقالَ شريكٌ (رحمه الله): «قَلِيلٌ مِنَ الأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ العِلْمِ».

ـ وقالَ اللَّيْثُ (رحمه الله) - وقد أَشْرَفَ عَلَى أصحابِ الحديثِ، فَرَأَى مِنهُم شيئًا-: «أَنْتُمْ إِلَى يَسِيرٍ مِنَ الأَدَبِ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ العِلْمِ».

ـ وقال يحيى بن يحي اللّيثيّ (رحمه الله) في وصيَّته لطلبةِ العلم -لمَّا رأَى مِنهُم ما لا يَنبَغي-:
«... واعلموا أنّ للاِنتفاعِ بالعِلم علاماتٍ ظاهرة، ونيّةً خفيّةً، وكلّ ذلك مُحاطٌ به، فالعلامات الظّاهرة التّوقّر وحُسْنُ السَّمْتِ .....وتَرْكُ المِرَاءِ، وإِن كانَ أحدُكُم مُحِقًّا، فقد حدّثني مَن أَثِقُ بهِ أنَّ ابنَ مسعودٍ كانَ يقولُ: «المِرَاءُ لا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ، ولا تُفْهَمُ حِكمتُهُ، ولا يَسْتَطِيلَنَّ أَحَدُكُم عَلَى مَن هُوَ فَوْقَهُ حِينَ تَكُونُ مِنهُ غَفْلَةٌ أو تُسْمَعُ مِنهُ زَلَّةٌ...»...»، وقالَ: «وخَيْرُ مَا تَحَلَّى بِهِ طَالِبٌ الوَقَارُ والسَّكِينةُ، وشَرُّ مَا تَحَلَّى بِهِ الخِفَّةُ والبَذَاءُ وقِلَّةُ الحَيَاء وحُبُّ المِرَاء، فأَخْلِصُوا إِلَيِْهِ نِِيَّاتِكُم وتَوَقَّرُوا جَهْدَكُم، ولْيُجِلَّ بعضُكُم بَعْضًا، فإنَّ ذلكَ يُزَيِّنُكُم، ويُحْمَدُ مِن فِعْلِكُم، وتُصْلِحُونَ بِهِ أَدَبَكُم، وتَغْتَبِطُونَ بعَاقِبَتِهِ إِن شاءَ اللهُ تعالى»اهـ.

ـ قال الخطيبُ البغداديُّ (رحمه الله) في «الجامع لأخلاقِ الرَّاوي وآدابِ السَّامع»: «والواجبُ أَن يَكُونَ طَلَبَةُ الحديثِ أَكْمَلَ النَّاسِ أَدَبًا، وأَشَدَّ الخَلْقِ تَوَاضُعًا، وَأَعْظَمَهُم نَزَاهَةً وَتَدَيُّنًا، وَأَقَلَّهُمْ طَيْشًا وَغَضَبًا، لِدَوَامِ قَرْعِ أَسماعِهِم بالأَخْبَارِ المشتمِلَةِ على مَحَاسِنِ أَخلاقِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) وآدَابِهِ، وسِيرَةِ السَّلَفِ الأَخْيَارِ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ وَأصحابِهِ، وطَرَائِقِ المُحَدِّثِينَ، ومَآثِرِ المَاضِينَ، فَيَأْخُذُوا بِأَجْمَلِهَا وَأَحْسَنِهَا، وَيَصْدِفُوا عَن أَرْذَلِهَا وَأَدْوَنِهَا»اهـ.
مصابيح العلم 

 

 

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

إن كنت خطيباً أو داعية فخرِّج ما ترويه من أحاديث

إن كنت خطيباً أو داعية فخرِّج ما ترويه من أحاديث .. !!!


حسام الدين سليم الكيلاني



إنَّ الحمد لله، نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنَّه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.
ثم أمَّا بعد:
فإنَّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
كثير من الدعاة والخطباء اليوم يروون الأحاديث النبوية دون الرجوع إلى الكتب المصادر الأصلية ، فيقعون في المحظور وهو رواية أحاديث لا ولم تصح ، إذ يكفي الواحد منهم ــ إلا من رحم ربك ــ أن يجد حديثاً غريباً عن العامة هنا أو هناك فيظنه مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو تعجبه قصة أو شيء من السيرة غريب عن العامة قرأه في بطن بعض الكتب غير المصدرية ، فيصنع من هذا الحديث أو القصة خطبةً ويجعلها أساس موضوعه ودرسه وهدفاً يدافع عنه ، ولو أنه عاد إلى الأصل لعرف بطلان ما يقول .

والعودة إلى الأصول هي ما نسميه في علوم الحديث التخريج بشكل مبسط !
فما هو التخريج عند علماء الحديث ؟
ومتى وكيف نشأ علم التخريج ؟
وما هي فوائد علم التخريج بالنسبة للحديث ، عند طالب العلم والداعية ؟
وما هي الفوائد العامة للتخريج ، عند طالب العلم والداعية ؟

تعريف ( التخريج ) في اصطلاح المحدثين :
( عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث في كتبهم المسندة الأصلية مع الحكم عليها)
وهذا التعريف يشمل جانبين اثنين :

أولاً : معرفة مكان وجود الحديث .
ثانياً : معرفة درجة الحديث هل هو صحيح أم حسن أم ضعيف ؟
وبالتالي فإن الداعية لن يقع برواية أحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو عرف مكان وجود ما يرويه من أحاديث وعرف درجتها .

الكتب المسندة الأصلية :
ما معنى الأصلية ؟
الكتب المسندة الأصلية هي التي وضعت للرواية ، مروية بالأسانيد وليست كتباً للجمع، فلا يدخل في هذه الكتب الأصلية مثل الكتب التي تعتني بالجمع لأحاديث ذات صفة معينة ، مثل الجمع بين الصحيحين، أو كتاب يجمع فيه مؤلفه عدد من الكتب، أو الكتب المختصرة التي تقوم بحذف للأسانيد للتقريب وللتسهيل للطلاب، أو التي توصف بالموضوعية في نفس الوقت والتي وضعها بعض العلماء لما رأوا تقاعس الهمم وتقريب الحديث أو تقريب ما ينفع الناس إليهم، فصنع البغوي [ مصابيح السنة ] مجرداً من الأسانيد ليس فيه إلا الصحابي الراوي، وكما صنع النووي رحمه الله في كتابه [ رياض الصالحين ] على سبيل المثال .
فلا يصح أن تخرِّج حديث فتقول : " انظر مصابيح السنة باب كذا أو كتاب كذا ، أو انظر رياض الصالحين باب كذا " ! فهذا قصور في التخريج ، والعزو لا بد فيه من الرجوع إلى الكتب الأصلية .
ثم اعلم أخي في الله أن الحكم ثمرة مهمة من ثمار التخريج، أي لو قلت لك باستثناء بعض الكتب التي اتفق على صحتها كالبخاري ومسلم، إذا قلنا : " أخرجه الإمام أحمد في مسنده " فليس في هذا ما يدل على الصحة أو الضعف أو الـحُسن ، وإذا أحلنا إلى غيرهم من الكتب ، سواء كانت مشهورة أو غير مشهورة ؛ فإن ذلك لا يدل على معرفة درجة الحديث ، وهذه المعرفة بدرجة الحديث هي الأمر المهم الذي نحتاج إليه .

متى وكيف نشأ علم التخريج ؟
علم التخريج من علوم الحديث المتأخرة ؛ وذلك لأن الحاجة إليه جاءت متأخرة أيضاً، المتقدمون من المحدثين كانوا يروون الأحاديث بأسانيدهم ويحفظون الطرق والأسانيد والاختلاف بينها، فلما صنفوا الكتب صنفوها على هذا النحو أسندوا الأحاديث وأسندوا الآثار بل وأسندوا فتاوى التابعين وأسندوا حتى أقوال الأئمة ومن جاء بعدهم ، بل وحتى الأشعار، فلم يكن هناك حاجة لمن يطالعون هذه الكتاب إلى أن يبحثوا عن شيء آخر، فإنما أمامهم الأسانيد وعندهم أسماء الرجال وعلم أحوال الرجال متوفر في ذلك العصر .
لكن لما اتسعت دائرة الإسلام وتوسعت دوائر التصنيف ، احتاج الناس إلى كتب في الفقه ، وأخرى في العقيدة ، وكذلك اللغة ، وفي أصول الفقه ، وفي التربيه والسلوك والرقائق .. فكل من كتب هذه العلوم لا بد وأن يستشهد بالقرآن الكريم وبأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أن مستشهداً بآية أو حديث توسع عند استشهاده بها أو عند استشهاده ذكر المصدر والمرجع والمعنى وبيان الغريب والصحة والضعف لخرج عن مقصود كتابه ، فلما احتاجوا إلى الاختصار في هذه الكتب والاقتصار على المقصود منها في العلوم، جاء بعض علمائهم بهذه الأحاديث مجردة عن التخريج مجردة عن التصحيح والتضعيف .
وكثر هذا النوع من التصنيف ، ولكن ظهرت مشكلة بعد ذلك هو أنه إذا وجدت كتب في علوم شتى من لغة وفقه وتفسير .. و فيها نصوص من حديث رسول الله صلى الله عله وسلم ويقرأها القارئ من غير أهل العلم بالحديث فلا يعرف موضعها من كتب السنة ولا يعرف موقعها من الصحة والضعف ولا يعرف بعض معاني غريبها ولا يعرف ألفاظ رواياتها .. فحينئذ وجدت الحاجة إلى بيان ذلك لمن أراد أن ينتفع بهذه الكتب ما دام ليس من أهل الحديث وليس من طلابه .

فوائد علم التخريج بالنسبة لطالب العلم :

1 ــ معرفة درجة الحديث :
وهي أهم فائدة وقد ذكرناها في سياق الحديث السابق .

2 ــ معرفة الأخطاء بوجه عام :
لأن التخريج فيه تتبع للطرق وجمع للروايات، ولذلك قال العلماء الإطلاع على علة الخبر من فوائد التخريج،حينما تجمع جميع طرق الحديث ، وكما قال على بن المديني : ) الباب إذا لم يتبين طرقه لم يُجمع خطأه ) .

3 ــ الاطلاع على علة الخبر بانكشاف الغلط .

4 ــ الإعانة على فهم الحديث .

5 ــ تعارض الجمع بين الأحاديث :
أحياناً يظهر مسائل ظاهرها التعارض وأحاديث ظاهرها التعارض وهي غير قليلة قد جمع الإمام الطـحاوي كتاباً كاملاً فيها وسماه [ مشكل الآثار ] في معناها ، أو فيها نوع من التعارض مـع بعض الأحاديث وربما مع بعض الآيات، فإذا جمعت الروايات أمكن أن يظهر المعنى الذي يتضح به أن هذه الأحاديث يمكن الجمع بينها دون تعارض، لذلك قال ابن دقيق العيد رحمه الله قال : ( إذا اجتمعت طرق الحديث يستدل في بعضها على بعض ويجمع ويظهر به المراد ) .

6 ــ الترجيح عند التعارض :
إذا تعارضت الأحاديث لم نستطيع الجمع بينها، عندئذ يمكن تخريج الصحيح والضـعيف ، ومنها أيضاً معرفة مراتب الرواة، عند هذا يظهر لنا الراوي الذي فيه تفرُّد والراوي الذي فيه جهالة فنقوم بالترجيح بين هذه الروايات جميعاً .

7 ــ بيان أحوال المتن :
عندما نجمع الروايات يظهر إذا كان في المتن إدراج أو إذا كان في المتن اضطراب أو نحو ذلك .

ومعرفة هذه الأشياء والأمور ليست بالشيء السهل ، فهذا هو طريق العلماء وطلبة العلم إن أرادوا الوصول إلى المقصود وبالله المستعان .

الفوائد العامة للتخريج :

1 ــ إدراك عظمة جهود علماء الأمة :
ومعرفة الخير العميم الذي ساقوه إلينا عندما وضعوا هذه التصانيف وخلفوا الثروة العلمية الهائلة، التي لولا فضل الله عز وجل علينا بأن هيأهم وسخرهم أن يضعوها لكنا نتخبط خبط عشواء ، وأضعنا شيئاً مما نفتقر إليه في أمور ديننا ودنيانا، فلو تأملنا واستعرضنا كثيراً من بعض كتب التخريج ؛ فإننا نرى عجباً عجاباً وعلماً غزيراً ، وحافظة غريبة ، وجهداً مضنياً ، وإطلاعاً واسعاً ، ودقة متناهية و تحرياً مفرطاً .
والحق علينا اليوم من علماء وطلبة علم أن نقوم فنشكر علماءنا وأئمتنا ونعرف لهم قدرهم وحقهم ونستفيد من ذلك فائدة عظيمة جليلة ، أن ننسج على منوالهم وأن نسير على آثارهم ، وأن يكون فينا بعض ما كان عندهم من جهد وهمة وإخلاص .

2 ــ ضرورة الاعتماد على الدليل :
وهذه منهجية عامة عند المسلمين، فان المسلم لا يقلد بدينه الرجال فضلاً عن أن يقلد بدينه الهوى والمزاج والظروف، كما نسمع اليوم كل من جاءته مسألة في ضرورة الأحكام كل من عرضت له هذه المسألة استشهد على الفتوى استشهاداً باطلاً، وليقول بعد ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد : ( استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ) .
حتى كثرت فتاوى القلوب الضالة ، إذ يكون القلب ضالاً مشرئباً بالأهواء ، مليئاً بالسواد والظلمة .. فما تأتي فتوى منه إلا فتوى انحراف .. كذلك نسمع اليوم ساعة لقلبك ولضرورات الأحكام، والإسلام دين العصر وكذا، أين آثارك من آيات القرآن أين دليلك من أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا شيء من ذلك ولا ذاك .
بينما العلماء يعلموننا بهذا العلم أننا وإن استشهدنا بحديث لرسول الله أو بأثر عن صحابي من الصحابة فإننا لا نقنع لمجرد أن يأتينا به ، بل نفصل القول لمصدره وفي طريقه وفي ألفاظه وفي معانيه وفي درجة صحته أو ضعفه أو إلى غير ذلك مما هو معلوم .

فهذه منهجية أضعها بين يديك أخي في الله ، وهي المنهجية التي تاهت و ضاعت و ضعفت في واقع مجتمعنا اليوم بين عامة الناس بل حتى بين بعض أو كثير من طلبة العلم .
وبالتالي فإنه لزام على طلبة العلم و خاصة الخطباء منهم والدعاة أن يعتنوا بهذا العلم وأن يتقيدوا بأصول الرواية والتخريج فإنه أسلم لدينهم وأسلم لعقيدتهم وأنفع لهم رواية ودراية ، وحتى لا يقع أحدهم بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يروي أمراً مكذوباً أو موضوعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وإليك أخي في الله بعضاً من الأحاديث التي تحذر من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أخرج البخاري في صحيحه برقم ( 106 ) فقال : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجْ النَّارَ )) .
وله أيضاً برقم ( 107 ) قال : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ قَالَ أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )) .
وأخرج الترمذي في الجامع الصحيح برقم ( 2257 ) فقال : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَال سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعني وإياكم بطلب العلم وأن يفقهنا في دينه إنه هو السميع العليم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . 

موعظةُ جبريلَ (عليه السَّلام) للنبيِّ(صلى الله عليه وسلم)

موعظةُ جبريلَ (عليه السَّلام) للنبيِّ(صلى الله عليه وسلم) 

 

عن سهل بن سعد (رضي الله عنه) قال: قال رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم):

«أتاني جبريل فقال يا محمّد: عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ»، ثمّ قال: «يا محمد شَرَفُ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ».**

جبريلُ عليه السّلام مَلَكٌ من الملائكة العظام، مُوَكَّلٌ بالوحْي، وبالوحْي تَصْلُحُ حالُ النّاس، ويُجْبَرُ ما يصيبهم من وَهَنٍ وفسادٍ في دينهم ودنياهم.



أتى جبريلُ نبيَّنَا محمّدًا (صلى الله عليه وسلم)، وجعل يخاطبه بصفته عبدًا من عبادِ الله، ولم يخاطبه بوصف النّبوَّةِ أو الرّسالة، لذا كان هذا الخطابُ الّذي يخاطبُ به الآن جبريلُ  نبيَّنَا (صلى الله عليه وسلم): خطابًا صالحًا  لكُلِّ عبدٍ من عبادِ الله، ولكلِّ حَيٍّ من الناس ممَّنْ يَحْيَوْنَ في هذه الدّنيا، فَارْعِ لهذه الموعظة سمعَكَ -يا عبد الله!-، فإنها وإنْ كانت متوجِّهَةً لنبيِّكَ بدايةً، فإنها لك أيضًا! ولغيرك ممّن يشاركون النّبيَّ (صلى الله عليه وسلم) في الدّخول تحت وصف العبودية لله.

 نعم! كلماتٌ معدودات، وعظ بهنَّ جبريلُ محمّدًا (صلى الله عليه وسلم)، وهي تذكرةٌ وموعظةٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ (صلى الله عليه وسلم). إذا كان النّبيُّ (صلى الله عليه وسلم) يُوعَظُ! ويُذَكَّرُ!، فما بالُ غيرِهِ من النّاس، إنَّهُ أحْوَجُ ما يكون إلى الموعظة والتّذكرة، لا غنى له عنهما.



1 ـ بَدَأَ جِبْرِيلُ أَوَّلاً: بالتَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ: «لأنّه أفْظَعُ مَا يَلْقَاهُ الإنسانُ وَأَبْشَعُهُ»[1]؛ فقال: «عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ»؛ أي: آيلٌ إلى  الموت عمَّا قريب، فهذا الموت آتيك-يا عبد الله!-، ولا بُدَّ أن ينزل بك، ولَنْ يُخْطِئَكَ، وإنْ كُنْتَ تَرَاهُ بَعِيدًا، فَإِنَّهُ عِنْدَ اللهِ قريب، وكلُّ آتٍ آتٍ، وكلُّ آتٍ قريب.

ومن ثمار تذكر الموت: عدم تعلُّق القلب بالدّنيا والتّلهُّف وراء ملذّاتها، ومن ثمار تذكّر الموت كذلك: تقصير الأمل في هذه الدّنيا، فأهلُ الآخرة ليس لهم طولُ أملٍ فيها، إنّما يُؤَمِّلُونَ الدّار الباقية، قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت:64] أي: هي الحياة الكاملة الدّائمة.

«عش ما شئت فإنّك ميّت»؛ المعنى: «فليتأهّب من غايتُه الموت بالاستعداد لما بعده»[2].



2 ـ ثمّ قال له: «وأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ»؛ «أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ» مِنَ الخَلْقِ «فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ» بموتٍ أو غيره. فإيَّاكَ -يا عبدَ الله- أنْ تَشْغَلَ قَلْبَكَ بمتاعٍ من أمتعة الدّنيا الزّائلة؛ مِنْ زوجةٍ أو ولدٍ أو مالٍ  أو غير ذلك من المحْبُوبَات، فإنَّهَا إمَّا أن تزول عنك أو أن تزول عنها أنتَ! فَاشْغَلْ-إذَنْ- قَلْبَكَ بِحُبِّ مَنْ لا يُفارقك ولا تُفارقه «وهو ذكرُ الله[والعمل الصّالح الّذي يحبّه الله ويقرب منه تعالى] فإنَّ ذلك يصحبك في القبر فلا يفارقك»([3]).

هذا نبِيُّنا (صلى الله عليه وسلم) كانت قُرَّةُ عينه في الصّلاة، الصّلاة! وما أدراك ما الصّلاة! فيها يُنَاجِي العبدُ رَبَّهُ تبارك وتعالى، ويُقْبِلُ عليه بكُلِّيَّتِهِ، ويقفُ فيها خاشعًا بقلبه وخاشعًا بجوارحه، مُسْتَكِينًا لِمَوْلاَهُ، وخالِقِهِ، مُعَظِّمًا له، يعيشُ في هذه الصّلاة لحظات الصَّفاء والأُنْسِ بالله، والرَّاحة  وهو يُنَاجِيهِ سُبْحَانهُ.

وهذه الصِّدِّيقَةُ حَبِيبَةُ رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم)! كان عندها ذاتَ ليلةٍ في بيتها، وهو في لِحَافِهَا، فقام عنها، وقال لها(صلى الله عليه وسلم): «يا عائشةُ! ذَرِينِي[خَلِّينِي واتْرُكِينِي] أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي»، قالت عائشةُ: «واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّكَ»، «فقام فتطهَّرَ ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتَّى بَلَّ حِجْرَهُ ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بَلََََّ الأرض...». ...﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[الزمر:9].

ويحتاجُ العبدُ في هذا الموقف إلى مجاهدةٍ عظيمة؛ فإنَّ الشّيطانَ والنَّفْسَ والهوى يجتمعون عليه؛ يُذَكِّرُونَهُ الدُّنْيَا في صلاته، ويُحْضِرُونَهَا لَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وهو قائمٌ في صلاته؛ لِيَحْرِمُوهُ أَجْرَهَا، ويَحْرِمُوهُ وَيَسْلِبُوهُ أَعْظَمَ مَا فِيهَا وهو لَذَّةُ المُنَاجَاةِ!.. ففَارِقْ -يا عبد الله!- كُلَّ مَحْبُوبٍ ومَرْغُوبٍ من أمر الدّنيا وأنت بين يدي ربك؛ تَحْظَ بالنَّعيم، وتَنَال التكريم، مِنْ رَبٍّ جليل، ومَوْلًى كريم، قال (صلى الله عليه وسلم): «أفضلُ الجهاد أن يجاهِدَ الرّجلُ نَفْسَهُ وهواهُ»[4].



وعَلَيْكَ -يا عبد الله!- أن تتذَكَّرَ الموت في صلاتك، امتثالاً لوصِيَّةِ نبيِّكَ (صلى الله عليه وسلم)؛ حيثُ قال  -كما في حديث أنس-: «اذْكُرِ الموت في صلاتك، فإنَّ الرَّجُلَ إذا ذكر الموت في صلاته لَحَرِيٌّ أن يُحْسِنَ صلاتَه، وَصَلِّ صلاةَ رَجُلٍ لا يَظُنُّ أَنَّهُ يُصَلِّي صلاةً غيرَهَا.. »[5].



3 ـ ثمّ قال له: «واعْمَلْ مَا شِئْتَ فإنَّكَ مَجْزِيٌّ به»، وفي روايةٍ: «فإنَّكَ مُلاَقِيهِ». «اعْمَلْ مَا شِئْتَ» مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فإنَّ آخرَكَ المَوْتُ، وبعد الموت الحساب والجزاء، «فإنّك مَجْزِيٌّ به»: أي مُكَافَأٌ عليه، مَقْضِيٌّ عليك بما يقتضيه عملُكَ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7-8].

 وفي هذا تقريعٌ وتهديدٌ من قبيلِ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ...﴾[فصلت:40] أيْ: يُجَازِيكُمْ بِهِ فإنْ كانَ العملُ حَسَنًا سَرَّكَ جَزَاؤُهُ أو سيِّئًا سَاءَكَ لِقَاؤُهُ [6].



الخطبة الثّانية:

لمَّا كان العُمْرُ قليلاً بالإضافة إلى حياة الآخرة، ولمَّا كان العبدُ خُلِقَ لِيُقِيمَ ذِكْرَ الله، ويَعْمُرَ هذه الدنيا بطاعةِ رَبِّهِ وعبادةِ خالقِهِ -جلَّ وعلا-، بَيَّنَ جبريلُ لِنَبِيِّنَا(صلى الله عليه وسلم) أعظمَ ما ينفع العبدَ، وما يُنَجِّيهِ مِنْ هَوْلِ المُطَّلَعِ؛ الّذي سَيَقْدُمُ عَلَيْهِ العباد.



4 ـ فقال: «يا محمّدُ! شَرَفُ المؤْمِنِ  قِيَامُهُ بِالَّليْلِ»، أي: عُلاَهُ ورِفْعَتُهُ: إحياؤُهُ الليلَ بدوام التَّهَجُّدِ فيه والذكر والتلاوة. فهذا مِنْ أَعْظَمِ العمل وأَشْرَفِهِ؛ الّذي يلقى به العبدُ ربَّهُ -جلَّ وعلا-. فالصّلاةُ خيرُ عملٍ -بعد الشّهادتين- يلقى بِهِ العبادُ ربَّهُمْ؛ قال(صلى الله عليه وسلم): «الصّلاةُ خيرُ موضوع»، وقال(صلى الله عليه وسلم): «واعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاة»؛ «فإنّ الصّلاة جامعةٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ مِنْ قراءة وتسبيح وتكبير وتهليل»[7]،  وقال (صلى الله عليه وسلم): «أفضلُ الصّلاة بعد المكتوبة الصّلاةُ في جوف اللّيل».

فهذا العبدُ قَانِتٌ لربِّه  -جلَّ وعلا- ليلاً ونهارًا، فَبَعْدَ أَنْ حَافَظَ على  الصّلوات الخمس المفروضات، لم يَرْضَ لنفسه أن يُعَطِّلَ هذا العُمْرَ القليل؛ عن الطّاعة والعبادة، لم يَرْضَ أن يُفْنِيَ هذه الحياة القصيرة في غَيْرِ لَذَّةِ مُنَاجَاةٍ ولحظةِ مُصَافَاةٍ مع الرَّبِّ -جلَّ وعلا-، هَانَتْ عَلَيْهِ الدنيا، فَارْتَفَعَ عَنْهَا وهي الحقيرة الوضيعة، وارْتَفَعَ بِنَفْسِهِ وَارْتَقَى بِرُوحِهِ؛ أَنْ يَسْتَغْرِقَهُمَا في النَّوم واللَّهو.



فهذا على الحقيقة هو الّذي حَازَ الشَّرَفَ وأَدْرَكَ المكانة العالية الرفيعة.



5 ـ ثمّ قال له: «وعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ»، أي: «قُوَّتُهُ وَعَظَمَتُهُ وَغَلَبَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ..اكتفاؤه بما قُسِمَ له واستغناؤه عمَّا في أيدي النّاس»[8]، فهذا هو العزيز، وهو المفْلِحُ؛ أي: الفائز في الآخرة، قال(صلى الله عليه وسلم): «أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عَيْشُهُ كَفَافًا[أي: ما يَكُفُّ مِنَ الحاجات ويدفع الضّرورات[9]]وقَنَعَ بِهِ»، وفي بعض الأحاديث: «وقنَّعَهُ الله بما آتاه»، «أي: رضي باليسير من ذلك»[10]. ولعِزَّةِ هَذَا العَبْدِ فِي النَّاسِ، هُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُمْ، قال (صلى الله عليه وسلم): «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ».



والحاصلُ: -عباد الله!- أنَّ هذه الموعظة التي وَعَظَ بِهَا جبريلُ نَبِيَّنَا (صلى الله عليه وسلم) اشتملت على أمور:

ـ  التّنبيه على قِصَرِ الأمل.

ـ والتّذكير بالموت.

ـ وعدم الاغترار بالاجتماع بالأهل والأحباب والأولاد.

ـ والّتذكير باغتنام العمر في العبادة.

ـ وفيها الحثُّ على التّهجُّدِ.

وهي على وَجَازَتِهَا قَدْ شَمِلَتْ خَيْرَيْ الدنيا والآخرة، وتكفَّلَتْ بسعادة الدّارين.





[1] -  «فيض القدير»(1/133).

[2] -  «فيض القدير»(4/655).

[3] -  «فيض القدير».

[4] -  «صحيح الجامع»(رقم:1979).

[5] - «الصّحيحة»(رقم:1421)، و(رقم:2839).

[6] -  «فيض القدير».

[7] -  «فيض القدير».

[8] -  «فيض القدير»(1/134).

[9] -  «فيض القدير»(4/665).
[10] -  «فيض القدير»(2/71).

 مصابيح العلم 

**"أتاني جبريلُ ، فقال : يا محمدُ عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّتٌ ، وأحبِبْ ما شئتَ ، فإنك مُفارِقُه ، واعملْ ما شئتَ فإنك مَجزِيٌّ به ، واعلمْ أنَّ شرَفَ المؤمنِ قيامُه بالَّليلِ ، وعِزَّه استغناؤه عن الناسِ"

الراوي: سهل بن سعد الساعدي و جابر بن عبدالله و علي بن أبي طالب المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 831
خلاصة حكم المحدث: حسن بجموع الطرق

الدرر السنية 

أحاديث

ما طلعَتِ شمسُ يومٍ قطُّ إلَّا بُعِثَ بجنبَتَيْها مَلكانِ يناديانِ ، يُسمعانِ أهلَ الأرضِ إلَّا الثَّقلَيْنِ : يا أيُّها النَّاسُ ! هلمُّوا إلى ربِّكُم ؛ فإنَّ ما قلَّ وكفَى ، خيرٌ ممَّا كثُرَ وألْهَى ، ولا آبَتْ شمسٌ قطُّ إلَّا بُعِثَ بجنبَتَيها ملكانِ يُناديانِ ، يُسمعانِ أهلَ الأرضِ إلَّا الثَّقلَيْنِ : اللَّهمَّ أعطِ مُنفقًا خلَفًا ، وأعطِ مُمسكًا تلفًا .
الراوي: أبو الدرداء المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 1706خلاصة حكم المحدث: صحيح 

الدرر 
 - طوبى لِلْغُرَباءِ ، قيل : و مَنِ الغُرَباء يا رسولَ اللهِ ؟ قال : ناسٌ صالِحُونَ قَلِيلٌ في ناسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أكثرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ
الراوي: عبدالله بن عمرو المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 1619
خلاصة حكم المحدث: صحيح
الدرر 

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

لو تَعلَمونَ ما أعلَمُ



"لو يعلم المؤمنُ ما عند اللهِ من العقوبةِ ، ما طمع بجنتِه أحدٌ . ولو يعلمُ الكافرُ ما عند اللهِ من الرحمةِ ، ما قنط من جنتِه أحدٌ"
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2755
خلاصة حكم المحدث: صحيح 
 
خطَب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خطبةً ما سمِعتُ مثلَها قَطُّ قال : ( لو تَعلَمونَ ما أعلَمُ لضَحِكتُم قليلًا ولبَكيتُم كثيرًا ) . قال فغطَّى أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجوهَهم لهم خَنينٌ ، فقال رجلٌ : من أبي ؟ قال : ( فلانٌ ) . فنزَلَتْ هذه الآيةُ : { لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4621
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
- " إنِّي أرى ما لاَ ترونَ ، وأسمعُ ما لاَ تسمعونَ ، إنَّ السَّماءَ أطَّت ، وحقَّ لَها أن تئطَّ ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلاَّ وملَكٌ واضعٌ جبْهتَهُ ساجدًا للَّهِ ، واللَّهِ لو تعلمونَ ما أعلمُ لضحِكتم قليلاً ، ولبَكيتم كثيرًا ، وما تلذَّذتم بالنِّساءِ على الفرشاتِ ، ولخرجتم إلى الصُّعداتِ ، تجأرونَ إلى اللهِ "، واللَّهِ لوددتُ أنِّي كنتُ شجرةً تعضد.
الراوي: أبو ذر الغفاري المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 3397
خلاصة حكم المحدث: حسن دون قوله: "والله لوددت ..." 
  - " إنِّي أرى ما لا تَرونَ ، وأسمعُ ما لا تسمَعونَ أطَّتِ السَّماءُ ، وحُقَّ لَها أن تَئطَّ ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلَّا وملَكٌ واضعٌ جبهتَهُ للَّهِ ساجدًا ، واللَّهِ لو تعلَمونَ ما أعلمُ لضَحِكْتُم قليلاً ولبَكَيتُمْ كثيرًا ، وما تلذَّذتُمْ بالنِّساءِ على الفُرُشِ ولخرجتُمْ إلى الصُّعداتِ تجأرونَ إلى اللَّهِ "، لوَدِدْتُ أنِّي كنتُ شجرةً تُعضَدُ
الراوي: أبو ذر الغفاري المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2312
خلاصة حكم المحدث: حسن دون قوله: "والله لوددت ..."
 
 قالَ الإمامُ مُحمَّد عبد الرَّحمـٰن بن عبد الرَّحيم المباركفوري (ت: 1353هـ) ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىٰ ـ في «تحفة الأحوذي» (6 / 603)": قَوْله: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أيْ: مِنْ عقاب الله للعصاة وشدَّة المناقشة يوم الحساب.
لضحكتم جواب «لَوْ».

(وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) أيْ: بكاءً كثيرًا أو زمانًا كثيرًا، أيْ: مِنْ خشية الله ترجيحًا للخوف على الرَّجاء، وخوفًا مِنْ سُوء الخاتمة.

قالَ الحافظُ: والمرادُ بالعِلْمِ هُنا: ما يتعلَّق بعظمة الله، وانْتقامه ممَّن يعصيه، والأهوال الَّتي تقع عند النِّزاع والموت، وفي القبر، ويوم القيامة، ومناسبة كثرة البُكاء وقلَّة الضَّحك في هذا المقام واضحة، والمرادُ به: التَّخويف.

وقد جاءَ لهذا الحديث سببٌ أخرجهُ سنيد في «تفسيره» بسندٍ واهٍ، والطَّبراني عَنْ ابن عمر: خرجَ رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المسجد، فإذا بقوم يتحدَّثونَ ويضحكونَ، فَقَالَ: (والَّذي نفسي بيده)، فذكر هذا الحديث.

وعَنْ حسن البَصْريّ: "مَنْ عَلِمَ أنَّ الموت مورده، والقيامة موعده، والوُقوف بين يدي الله مشهده، فحقّه أنْ يطُول في الدُّنيا حزنه". انتهى.

قَوْله: (هَذَا حديثٌ صحيحٌ) وأخرجهُ البُخاريّ، والنَّسائي.اهـ.

([«تحفة الأحوذي شرح "جامع التِّرمذيَّ"» / (6 / 603)]) منقول


 بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل لا أن يعيش الحاضر 

 الإمام النووي - رحمه الله تعالى- في رياض الصالحين ذكر بعض الأحاديث المتعلقة بالخوف، يقول عليه الصلاة والسلام:
((لو يَعلمُ المُؤمِنُ ما عِندَ اللَّهِ من العقُوبةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِه أحد، ولو يَعْلَمُ الكافرُ ما عندَ الله من الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ من جَنَّتهِ أحد))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة]


"لو يعلم المؤمنُ ما عند اللهِ من العقوبةِ ، ما طمع بجنتِه أحدٌ . ولو يعلمُ الكافرُ ما عند اللهِ من الرحمةِ ، ما قنط من جنتِه أحدٌ"
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2755
خلاصة حكم المحدث: صحيح 
 
هنا

 الإنسان يعيش في حياته الدنيا, بطولته أن يعيش المستقبل, لا أن يعيش الحاضر, معظم البشر يعيشون الحاضر.
 كائن, أجهزته سليمة, دخله وفير, استمتاعه بالحياة شديد, لا يفكر في ساعة المغادرة، ساعة المغادرة ساقطة من حساباته, لذلك حينما تأتي يُصعق, مبرمج حياته و أموره على أنه سيعيش, ولا يفكر في هذه اللحظة التي لا بد منها, لحظة المغادرة, من الذي يسلم منها؟ الذي استعد لها, من الذي يسلم منها؟ الذي أدخلها في حساباته, من الذي يسلم منها؟ هو الذي فكر فيها كل يوم, فهيأ نفسه لهذه الساعة؛ لذلك نخاف كي لا نخاف, نخاف الآن كي لا نخاف عند الموت, والذي لا يخاف الآن سيُصعق, سيصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
 الإنسان لو سُحب خط الهاتف منه يختل توازنه, يقول لك: ليس فقط سوف ينسحب خط الهاتف, سينسحب البيت, والزوجة, والدخل, والأرصدة, والمكانة, وكل شيء وصلت إليه في عمر مديد, سيُسحب في ثانية, ثانية واحدة, وكل آمال الإنسان مبنية على ثلاثة أشياء, مبنية على اتساع الشريان التاجي, مبنية على سيولة الدم, مبنية على نمو الخلايا, كل شيء حصّلته في هذا العمر في ثانية تفقده.


﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية:49]
﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً﴾
 المؤمن الصادق في كل دقيقة, في كل موقف, يقول: ماذا سأجيب الله عز وجل لو سألني؟ ابتسامتك مسجلة, عبوسك مسجل, إعطاؤك مسجل, منعك مسجل, صلتك مسجلة, قطيعتك مسجلة, كل حركة, كل سكنة مسجلة, والبطل هو الذي يهيىء لله جواباً عن كل شيء يفعله, وكلما شددت على نفسك كان حسابك أهون، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً.