‏إظهار الرسائل ذات التسميات تفسير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تفسير. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 ديسمبر 2018

كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - المطففين: 15



"كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ" المطففين :15.
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فقد بينت الآية الكريمة"كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ "المطففين: 15، أن الإنسان إذا انتكست فطرته، وعميت عن الحق بصيرتُه، وفسدت سريرتُه - استحق العذابَ المقيمَ، والحرمانَ الأليمَ، والحجبَ عن ربِ العالمينَ، فكما حجبت الآثامُ والمعاصي قلوبَهم، وطمستها حتى أظلمت وعميت عن الإحساس بربها في الدنيا - عذبوا بالحجاب عن ربهم في الآخرة؛ فحُرِمُوا لذةُ النظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ، وحِيلَ بينهم وبين السعادةِ الكبرى  التي لا تتاح إلا لمن شَفَّتْ روحه، ورَقَّت وصفت واستحقت أن تُكْشَف لها الحُجُب بينها وبين ربها.

أما المؤمنون، فيرون ربَّهم - تبارك وتعالى - في الجنَّة رؤية فرح وسرور، وتلذذ وحبور، يتلذَّذون بالنَّظَر إلى وجهِه الكريم، وذلك غايةُ النَّعيم، وأعلى الكرامات، وأفضل المكرمات، وأعظم من سائر اللذات.
فأعظمُ اللَّذَّات رؤيةُ ربِّ الأرْضِ والبريَّاتِ - عزَّ وجلَّ - وهي الغاية الَّتي شمَّر إليْها المشمِّرون، الذين تعلَّقت قلوبُهم بالرحمن - جلّ وعلا.

قال الشافعي - رضي الله عنه - : في قوله  " كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " دلالة على أن أولياء الله يرون الله .وهذا الذي قاله الإمام الشافعي رحمه الله في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية كما دل عليه منطوق قولِهِ " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" القيامة: 22، 23-وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنينَ ربهِم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عَرُصَات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة- تفسير ابن كثير -
ومنها: ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ، عن جرير بن عبدالله قال
"كنا جلوسًا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى القمرِ ليلةَ البدرِ، قال: إنكم سترون ربَّكم كما تروْن هذا القمرَ، لا تُضامون في رؤيتِه، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وصلاةٍ قبل غروبِ الشمسِ ، فافعلوا. "الراوي : جرير بن عبدالله - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري- -الصفحة أو الرقم: 7434 - خلاصة حكم المحدث : صحيح - الدرر =

"ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ"المطففين: 16.
مع هذه العقوبة البليغة  وهي الحرمان من رؤية الله عز وجل لسخطه عليهم ،ثم إنهم بعد ذلك لداخلون فى أشد طبقات النار حرًا  "لَصَالُو الْجَحِيمِ" أي  ملازموها ، ومحترقون فيها غير خارجين منها ، "كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ"النساء : 56 . بيان لشدة العذاب ودوامه أي: كلما احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود المحترقة جلودًا غير محترقة مغايرة للمحترقة - لتحترق من جديد ويستمر العذاب- نسأل الله العافية .
"مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا "الإسراء: 97. أي:  كلما تهيأت للانطفاء "زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا " أي: سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب، ولا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها.
"وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا  كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ " فاطر: 36.
*قال صلى الله عليه وسلم"أما أهل النارِ الذين هُمْ أهلها ، فإنهم لا يموتونَ فيها ولا يحيونَ . ولكن ناس أصابتْهم النارُ بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتَهم إماتةً . حتى إذا كانوا فحْما ، أذِنَ بالشفاعةِ . فجيء بهم ضَبائِرَ ضَبائِرَ . فبُثّوا على أنهار الجنةِ . ثم قيل : يا أهلَ الجنةِ أفِيضُوا عليهِم . فينبتون نباتَ الحِبّةِ تكون في حَمِيلِ السيلِ ....
الراوي : أبو سعيد الخدري - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم -الصفحة أو الرقم  185  - خلاصة حكم المحدث : صحيحالدرر -

حَمِيلِ السيلِ  :بِمَعْنَى الْمَحْمُولِ وَهُوَ الْغُثَاءُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ السَّيْلُ
الضَّبَائِرُ : جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ.أي متفرقة  -
____________________
"ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ"المطففين : 17.
ثم يُقال لهم توبيخًا وتقريعًا" هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ" وَبُنِيَ فِعْلُ  يُقَالُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِمَعْرِفَةِ الْقَائِلِ وَالْمَقْصِدِ هُوَ الْقَوْلُ .
هذا هو العذاب الذى كنتم به تكذبون فى الدنيا ، وتقولون لمن يحذركم منه " وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "الملك : 25.
فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب: عذاب الجحيم، وعذاب التوبيخ، واللوم.وعذاب الحجاب من رب العالمين، المتضمن لسخطه وغضبه عليهم، وهو أعظم عليهم من عذاب النار.
ولهذا يقولون  "وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"الأنعام: 27.تفسير العثيمين = هنا =
وفي هذه الآيات، التحذير من الذنوب، فإنها ترين على القلب وتغطيه شيئًا فشيئًا، حتى ينطمس نوره، وتموت بصيرته، فتنقلب عليه الحقائق، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، وهذا من بعض عقوبات الذنوب.تفسير السعدي.وتفسير الوسيط. هنا =
ولما ذكر الله تعالى أحوال الفجار وما لهم من العذاب، ذكر أحوال الأبرار وما لهم من النعيم فقال:
"كَلاَّ إِنَّ كِتَبَ الاَْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ " المطففين :18.
كلَّا :بمعنى حقًا. هذه الآية يذكر الله عز وجل خبرًا مؤكَّدًا  بـ" إِنَّ"
الاَْبْرَار: جمع برّ، وهم الذين برّوا الله بأداء فرائضه، واجتناب محارمه.
لما ذكر أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة وأضيقها، ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها وأوسعها، وأفسحها.
"* وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ" المطففين :19.وهذا الاستفهام يراد به التفخيم والتعظيم. يعني أي شيء أدراك به فإنه عظيم.تفسير الشيخ العثيمين = هنا=
"كِتَابٌ مَّرْقُومٌ" المطففين :20. أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم مكتوب لا يتغير ولا يتبدل . .تفسير الشيخ العثيمين = هنا=
كِتَابٌ مَرْقُومٌ : كِتَابٌ :مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتَابَةِ ، مَرْقُومٌ: يَدُومُ.
وقيل : كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة .
"فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُواكِتَابِيَهْ"الحاقة:19.
وهؤلاء هم أهل السعادة يعطون كتبهم التي فيها أعمالهم الصالحة بأيمانهم تمييزًا لهم وتنويها بشأنهم ورفعًا لمقدارهم، ويقول أحدهم عند ذلك من الفرح والسرور ومحبة أن يطلع الخلق على ما منَّ اللهُ عليه به من الكرامة " هَاؤُمُ اقْرَءُواكِتَابِيَهْ " أي: دونكم كتابي فاقرأوه فإنه يبشر بالجنات، وأنواع الكرامات، ومغفرة الذنوب، وستر العيوب. تفسير السعدي= هنا =
" يَشْهَدُهُ المقربون"المطففين :21.
يعني الملائكة الذين هم في عليين، يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين.
" إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ" المطففين :22.

الْأَبْرَارَ: جمع بر، والبر كثير الخير، كثير الطاعة، كثير الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فهؤلاء الأبرار الذين منّ الله عليهم بفعل الخيرات، وترك المنكرات. تفسير العثيمين: جزء عم=هنا=

ثم بين - سبحانه - حالهم فى الجنة ، بعد بيان ما اشتمل عليه كتابهم من خير وبر فقال - تعالى " إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ " أى : لفى نعيم دائم ، لا يحول ولا يزول .
والنعيم هنا يشمل نعيم البدن ونعيم القلب، أما نعيم البدن فلا تسأل عنه فإن الله سبحانه وتعالى قال في الجنة" وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "الزخرف: 71 .
وقال تعالى" فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "السجدة: 17 .
وأما نعيم القلب فلا تسأل عنه أيضًا فإنهم يقال لهم وقد شاهدوا الموت قد ذبح يقال لهم: يا أهل الجنة خلود ولا موت.
"إذا صارَ أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ ، وأهلُ النارِ إلى النارِ ، جِيءَ بالموْتِ حتى يُجْعلَ بين الجنةِ والنارِ ، ثُمَّ يُذْبَحْ ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ : يا أهلَ الجنةِ خُلودٌ ولا مَوتَ ، يا أهلَ النارِ خُلودٌ لا مَوْتَ ، فيَزْدادُ أهلُ الجنةِ فَرَحًا إلى فَرَحِهِمْ ، ويَزدادُ أهلُ النارِ حُزنًا إلى حُزنِهِمْ"
الراوي : عبدالله بن عمر -المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم-  636  خلاصة حكم المحدث : صحيح- الدرر =
وفي الحديثِ: خلودُ أهلِ النَّارِ مِن الكافِرِينَ فيها لا إلى أَمدٍ ولا غايةٍ، بلا موتٍ ولا حياةٍ نافعةٍ ولا راحةٍ، وأنَّهم لا يَخرُجون مِنها، وأنَّ النارَ لا تَفْنَى ولا تزولُ ولا تَبقَى خاليةً، وأنَّها إنَّما تُخلَى فقط مِن عُصاةِ أهلِ التَّوحيدِ .الدرر=
" ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ" ق : 34.
وكل هذا مما يدخل السرور على القلب فيحصل لهم بذلك نعيم القلب ونعيم البدن "وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ "الرعد: 24،23.
"عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ" المطففين :23.
أي: على السرر المزينة بالفرش الحسان.
"
يَنظُرُونَ "إلى ما أعد الله لهم من النعيم، ما أنعم الله به عليهم من النعيم الذي لا تدركه الأنفس الآن, وينظرون إلى وجه ربهم الكريم.

" تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ" المطففين :24.


الاثنين، 19 نوفمبر 2018

تفسير وتدبر سورة الملك من مشاركة 17 للآخر

مشاركة رقم : 17 = هنا =
"
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ " الملك : 27 .
ثم بَيَّنَ - سبحانه- حالهم عندما يرون العذاب الذي استعجلوه فقال:
"فَلَمَّا رَأَوْهُ "
فَلَمَّا :ظرف بمعنى حين. الهاء تعود إلى العذاب.
و"رَأَوْهُ" مستعمل في المستقبل وجيء به بصيغة الماضي لتحقق الوقوع، كما في قوله- تعالى" أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ..."النحل: 1.
"
زُلْفَةً" أي: قريبًا منهم ، فالزلفى: القربة"مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى"الزمر:3 ، .... الزلفى: القربة.لكي تقربنا إلى الله قربة. وهو اسم أقيم في مقام المصدر ، كأنه قال : إلا ليقربونا إلى الله تقريبًا ويشفعوا لنا عند الله.تفسير البغوي= هنا =
و"زُلْفَةً" اسم مصدر لأزلف إزلافًا، بمعنى القُرب. ومنه قوله- تعالى" وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ "... أي: قُرِّبَت للمتقين، وهو حال من مفعول رَأَوْهُ.
ويتزلف فلان إلى فلان. أي: يتقرب فلان إلى فلان.

"فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً" أي: لما رأوا هذا اليوم والعذاب قريبًا.

أي: فلما رأوا قُرب ما وُعِدُوا به من العذابِ وزهوقِ باطلِهِم.

"سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا"أي: جاءها ما يسوءها.
"وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ" "وَقِيلَ "أي: لهم تبكيتًا.
" تَدَّعُونَ"إما من الدعاء أو من الادّعاء.
بمعنى: تدْعُون وتسألون، فإنكم كنتم كما تقولون"رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ"ص:16، وكنتم تقولون "اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"الأنفال:32 ، فمن العلماء من قال: تدّعون بمعنى: تدْعُون، ومنهم من قال: تدّعون: هنا بمعنى: تكذبون، "وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ" أي: تكذبون.
سلسلة التفسير الشيخ مصطفى العدوي = هنا = و 
تفسير القرآن الكريم - للشيخ محمد إسماعيل المقدم = هنا =
والمعنى:
يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ تَكْذِيبِ الْكَفَّارِ وَغُرُورِهِمْ بِهِ حِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْجَزَاءِ، وَرَأَوُا الْعَذَابَ مِنْهُمْ زُلْفَةً أَيْ: قَرِيبًا، سَاءَهُمْ ذَلِكَ وَأَفْظَعَهُمْ، وَأَقْلَقَهُمْ، فَتَغَيَّرَتْ لِذَلِكَ وُجُوهُهُمْ، وَوُبِّخُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ، وَقِيلَ لَهُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ، فَالْيَوْمَ رَأَيْتُمُوهُ عَيَانًا، وَانْجَلَى لَكُمُ الْأَمْرُ، وَتَقَطَّعَتْ بِكُمُ الْأَسْبَابُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُبَاشَرَةُ الْعَذَابِ. .تفسير السعدي = هنا =
  ___________________ 

 مشاركة رقم : 18 = هنا =
"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ"الملك 28.
"قُلْ أَرَأَيْتُمْ "والاستفهام في قوله "أَرَأَيْتُمْ" للإنكار والتعجيب من سوء تفكيرهم،والرؤية علمية.
فقد أمر- سبحانه- رسوله صلى الله عليه وسلم للمرة الرابعة، أن يرد على ما كانوا يتمنونه بالنسبة له ولأصحابه.
لقد كان المشركون يتمنون هلاك النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يرددون ذلك في مجالسهم، وقد حكى القرآن عنهم ذلك في آيات منها قوله- تعالى"أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ" الطور 30.
"نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ "أي:
ننتظر ونصبر حتى تقع عليه حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من قَبْله منَ الشعراء ، ويتفرق أصحابُه .
إِنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِالْهَلَاكِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا يَتَآمَرُونَ بَيْنَهُمْ بِأَنْ يُهْلِكُوهُمْ بِالْقِتَالِ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: قُلْ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي تُرِيدُونَ بِنَا وَتَمَّ ذَلِكَ فِينَا، أَوْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ رَحِمَنَا اللَّهُ فَنَصَرَنَا وَلَمْ يُهْلِكْنَا -تفسير ابن عطية = هنا - فنحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين: إما أن نهلك كما تتمنون، فننقلب إلى الجنة، أو نُرْحَم بالنُّصرةِ عليكم، أما أنتم فماذا تصنعون؟ من يجيركم- وأنتم كافرون- من عذاب أليم لا مفر لكم منه. تفسير الوسيط = ه
فأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: أَنْتُمْ وَإِنْ حَصَلَتْ لَكُمْ أُمْنِيَتُكُمْ وَأَهْلَكَنِي اللَّهُ وَمَنْ مَعِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَكُمْ شَيْئًا، لِأَنَّكُمْ كَفَرْتُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاسْتَحْقَقْتُمُ الْعَذَابَ، فَمَنْ يُجِيرُكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قَدْ تَحَتَّمَ وُقُوعُهُ بِكُمْ؟تفسير السعدي = هنا =
مَنْ يُجِيرُكُمْ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يُوجِبُهُ كُفْرُكُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ تفسير ابن عطية = هنا =

*ثم أمره- سبحانه- للمرة الخامسة، أن يبين لهم أنه هو وأصحابه معتمدون على الله- تعالى- وحده، ومخلصون له العبادة والطاعة، فقال: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ...  

_______________ 
  مشاركة رقم : 19 = هنا =
" قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ "الملك : 29 .

*ثم أمره- سبحانه- للمرة الخامسة، أن يبين لهم أنه هو وأصحابه معتمدون على الله- تعالى- وحده، ومخلصون له العبادة والطاعة، فقال: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ...

وقوله "فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" مسوق مساق التهديد والوعيد أي:
فستعلمون في عاجل أمرنا وآجله، أنحن الذين على الحق أم أنتم؟ ونحن الذين على الباطل أم أنتم؟ ..
فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والإنذار، مع إخراج الكلام مخرج الإنصاف، الذي يحملهم على التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون.تفسير الوسيط = هنا =


وَذِكْرُ صِفَةِ "الرَّحْمَنِ" هُنَا يُشِيرُ إِلَى رَحْمَتِهِ الواسعةِ بِرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ; فَهُوَ لَنْ يُهْلِكَهُمْ كَمَا يَتَمَنَّى الْكَافِرُونَ أَوْ كَمَا يَدَّعُونَ في الآيةِ السابقةِ برحمته .
وَيُوَجِّهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى إِبْرَازِ الصِّلَةِ الَّتِي تَرْبُطُهُمْ بِرَبِّهِمُ الرَّحْمَنِ. صِلَةِ الْإِيمَانِ آمَنَّا بِهِ ..
وَصِلَةِ التَّوَكُّلِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا .. عَلَيْهِ وَحْدَهُ..! فَقُلْ لَهُمْ ... وَهَذَا وُدٌّ مِنَ اللَّهِ وَتَكْرِيمٌ..
ثُمَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدُ الْمَلْفُوفُ: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ .. وَهُوَ أُسْلُوبٌ كَذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُخَلْخِلَ الْإِصْرَارَ عَلَى الْجُحُودِ; وَيَدْعُوَهُمُ إِلَى مُرَاجَعَةِ مَوْقِفِهِمْ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الضَّالِّينَ! فَيَتَعَرَّضُوا لِلْعَذَابِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْآيَةِ: فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟ وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَا يَجْبَهُهُمْ بِأَنَّهُمْ ضَالُّونَ فِعْلًا، حَتَّى لَا تَأْخُذَهُمُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ. وَهُوَ أُسْلُوبٌ من أساليب الدعوة الناجحة.

وَأَخِيرًا يَجِيءُ السياق - في آخر آية- الْأَخِيرُ فِي السُّورَةِ يُلْمِحُ لَهُمْ بِعَذَابِ الدُّنْيَا قَبْلَ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ بِحِرْمَانِهِمْ مِنْ سَبَبِ الْحَيَاةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمَاءُ:


"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ " الملك : 30.

____________________________ 

  مشاركة رقم : 20 = هنا =

 "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ " الملك : 30.
*ثم أمر- سبحانه- نبيه صلى الله عليه وسلم للمرة السادسة، أن يذكرهم بنعمة الماء الذي يشربونه .

*ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ انْفِرَادِهِ بِالنِّعَمِ، خُصُوصًا الْمَاءَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فَقَالَ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا أَيْ: غَائِرًا/ وَالْمَاءُ الْغَوْرُ: الْغَائِرُ الذَّاهِبُ فِي الْأَرْضِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ/.
فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ /
وَالْمَعِينُ: النَّابِعُ الْفَائِضُ الْمُتَدَفِّقُ./ تَشْرَبُونَ مِنْهُ، وَتَسْقُونَ أَنْعَامَكُمْ وَأَشْجَارَكُمْ وَزُرُوعَكُمْ؟ وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى. - وحده، فعليكم أن تشكروه على نعمه، لكي يزيدكم منها.
وَالْمُلْكُ بِيَدِ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فَكَيْفَ لَوْ تَوَجَّهَتْ إِرَادَتُهُ إِلَى حِرْمَانِهِمْ مَصْدَرَ الْحَيَاةِ الْقَرِيبَ!
ثُمَّ يَدَعُهُمْ يَتَدَبَّرُونَ مَا يَكُونُ لَوْ أَذِنَ اللَّهُ بِوُقُوعِ هَذَا الْمَحْذُورِ!
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُلْكِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.